ثلاثي الخليل في "المغتربان" يخترقان التابوهات على مسرح الشمس

 

  • الشيوخي والطيطي نجمان يغزلان كوميديا سوداء على جراحنا
  • ابن مليح ينحت مسرحا شعبيا بجهود ذاتية وأحلام بدأت في موسكو

 
أسامة الرنتيسي –

 
 
من دون رفع الستارة، وعلى صوت جرس مسرح الشمس، دخل جمهور مسرحية “المغتربان” للفنانين الفلسطينيين محمد الطيطي ورائد الشيوخي، من إخراج إيهاب زاهدة، مأخوذة عن نص “المهاجران” للكاتب البولندي سلافومير ميروجيك، كجزء من العرض وليس كمشاهدين لمسرحية مدهشة في عمل ساحر، نصا وتمثيلا وإخراجا وفكرة.
الثلاثي؛ الطيطي والشيوخي وزاهدة، القادمون من مدينة الخليل، صعقوا بسؤالي المباشر، هل معقول هذا العمل الخارق الخارج عن المألوف، المحطم لكثير من التابوهات يخرج من مدينة الخليل التي تتسم بالمجتمع المحافظ، التي لا يوجد فيها دار سينما حتى الآن!.
من دون انتظار الجواب، تكتشف أن الثلاثي خريجي الجامعات البولندية، على أيدي مبدعي الأعمال المسرحية العالمية، فتفتخر بما قدمته الدول الاشتراكية وعلى رأسها الاتحاد السوفييتي سابقا لشعوبنا العربية، لجيوش المثقفين والمبدعين العرب، ولولاهم لما تمكن أبناء الفقراء، من العمال والفلاحين من الحصول على الشهادات العلمية والأدبية والفنية.
قليلون يعرفون ما نحته ابن مليح في مسرح الشمس، وابن مليح الدكتور عبدالسلام قبيلات الذي عاش سنوات طوال في موسكو مخرجا ومبدعا، عاد إلى الأردن ليكمل رسالته الفنية والإبداعية، فصنع مسرح الشمس وريثا  لمسرح وسينما الكونكورد سابقا، لخلق سلوك مسرحي شعبي أردني، بعروض راقية جادة تحمل رسالة إنسانية، تنظف حواسنا البصرية مما علق بها من أعمال فنية هابطة، ومسرح “الهيشك بيشك”.
التعاون  بين ثلاثي الخليل، ومسرح شمس قبيلات، لن يقتصر على مسرحية “المغتربان” التي عرضت ثلاثة أيام، بل سيستمر في الفترة المقبلة في أعمال وعروض مختلفة، من بينها مسرح الدمى وعروض اخرى في شهر رمضان المقبل.
عودة للعمل المبهر، الذي طرح أفكارا كبرى، وصراعات، الوطن والمال، المثقف والعامل، وكل السلطات تتشابه في قمع الحريات، الذي نهض على تميز الأداء التمثيلي للفنانين محمد الطيطي ورائد الشيوخي، بحوار استمر من دون فواصل نحو 80 دقيقة، وديكور مدهش، وغياب الموسيقى، يتحدث حسب ما لخصه تقرير “لبترا” عن قصة شخصيتين من البلد ذاته، إلا أنهما ينتميان لعالمين مختلفين، يعيشان في أميركا بعيدا عن وطنهما، ويتقاسمان غرفة في قبو عمارة تحيط بها أنابيب المصارف الصحية، ويسعى أحد الشخصيتين لجني المال من خلال عمل شاق على أمل العودة إلى الوطن، فيما الثاني رجل مثقف وناشط سياسي اختار المنفى على ما عايشه من فساد في وطنه، يبحث عن الوطن الذي لا يستطيع العودة إليه من خلال شخصية الأول الذي يناقضه تماما وقبل بمشاركته مسكنه وإنفاقه عليه.
وفي المسكن البائس الذي يمثل عالما سفليا لهما تعلوه شقق تمثل العالم الفوقي ليعكس العرض والديالوجات الهوة بين العالمين، لا سيما أن الحدث الدرامي يدور ليلة رأس السنة، لتعميق الهوة بين العالم الفوقي الذي يعيش في رغد، مبتهجا ومنتشيا، وهو يستقبل عاما جديدا، والعالم السفلي الذي يجتر معاناته وبؤسه، ويتخبط في أحلامه وأوهامه.
وتتجلى في العرض شخصية المثقف الجاد، الذي رغم إجادته اللغة الانجليزية، ومعرفته بطريقة تفكير الأميركيين وأسلوب حياتهم، لم يستطع الاندماج في مجتمعهم، ربما لأنه يعرف في قرارة نفسه أنه منبوذ منه تماما مثل شريكه العامل وهو ما عبرت عنه حوارات العرض بين الشخصيتين، وفي الوقت الذي تبدو فيه أزمة الشخصية الأولى الذي يعمل في حفريات وتمديد قنوات الصرف الصحي، مادية، معتقدا أنه إذا جمع المال الوفير وعاد إلى وطنه يستطيع أن يفرض احترامه على الآخرين، ولذا يستمر في العمل برغم أشواقه لأسرته، مقترا على نفسه في كل شيء.
وفي سياقات العرض تبدو مشكلة المثقف أكبر، فهو يتعلق بالنظام الاستبدادي الحاكم في بلده، حيث يصعب عليه العودة إلى مكان لا يستطيع أن يمارس فيه حرية التفكير والتعبير، وقد خيرته السلطة بين البقاء في الوطن صامتا أو المغادرة والنفي الاختياري، وهو يعمل في منفاه على تأليف كتاب يريد أن يوظف شخصية زميله في المسكن فيه نموذجا ليثبت أن العبودية غريزة في مجتمعه، فهو يعتبره عبدا للمال وللشهوة والوهم وللنظام الحاكم، ونموذجا للمواطن المقموع، ولذا يمارس عليه بحثه التنظيري، ويشهر عليه مشرطه النقدي الحاد، معرّيا حياته وعاداته وشهواته شيئا فشيئا.
وفي ظل تصاعد الحوار بين الشخصيتين الذي يأخذ طابعا متوترا، يفاجئه الآخر البسيط المادي، ويطيح نظرياته حين يمزق ما جمعه من مال في حالة انفعال نتيجة ضغط المثقف المتزايد عليه، ليعلن تحرره مما يعتقده المثقف نوعا من العبودية الملازمة لشخصيته، في الوقت الذي يستغرب المثقف تصرفه، وينعته بالجنون، وعند لحظة التحول الدرامية هذه تختل موازين الأمور في ذهن المثقف من جديد فيمزق ما كتبه، ليصعد في المشهد الختامي المنضدة التي تتوسط الخشبة التي تعلوها ربطة عنق متدلية، دلالة عن شنق نفسه.
كوميديا سوداء ساخرة وعميقة، اخترقت وجدان الحاضرين الذين شاركوا في العرض من خلال متابعة أداء الطيطي والشيوخي، حتى ظن كثيرون أن الفودكا حقيقية على المسرح، عندما جسد الفنانان حالة لحظات توهج العمل في مقاطعه الأخيرة، وكأن لحظة الانتحار قد تنفذ على المسرح، حقيقة وليس تمثيلا.
أعترف بتواضع شديد، أننا إعلاميا وترويجيا فاشلون في صناعة نجوم هم في حقيقة الأمر، أهم بكثير من ممثلين وصلوا الى درجات النجومية العربية والعالمية، وهم أكثر ثقافة وعمقا وسحرا وأداء وإبهارا من نجوم تتراكض عليهم شركات الانتاج والفضائيات، ولكن مزمار الحي لا يطرب.
الدايم الله…..

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

الملك لأمير الكويت: أمن الخليج أساسي لاستقرار المنطقة والعالم

الأول نيوز – بحث جلالة الملك عبدﷲ الثاني خلال اتصال هاتفي مع سمو الشيخ مشعل …