كتابٌ عن الاحترامِ!! لماذا؟؟

الدكتور ذوقان عبيدات –
الأول نيوز – حين كان الدكتورُ محمودُ المسّاد يتحدث مُخبراً إنه يعملُ على إعدادِ كتابٍ عن الاحترامِ، قلت: وماذا سيكتبُ عن الاحترام؟ وهل يستحقُّ الاحترام أن يكون موضوعاً لكتابٍ كاملٍ؟ صدر الكتاب، ولم يَدُر ببالي أنه سيكلّفني بتقديمه، فاضطُررت للعودةِ إلى مكتبتي باحثاً عن أفكارٍ قد تنقذني، فوجدتُ كتابَ المذاهبِ الأخلاقية للدكتور عادلِ العوّا، وكذلك كتابَ فلسفةِ القِيَّم، فلم أجِد ذكراً لقيمةٍ اسمُها الاحترامُ!! عُدتُ إلى كتاب الدكتور محمود لأفهم ما يعنيه بالاحترام، قرأته مرَّتين لأتبيّن الملاحظاتِ الآتية:
1. إن الدكتورَ محمود مارسَ دورَ مُنتج المعرفة لا ناقلها، رأيتُ مفاهيمَ أخلاقيةً عديدةً أدرجها تحت قيمة الاحترام، وها هو يُمارس دوراً آخر في نشر المعرفة وتوزيعها، وأعتقدُ أنّ هذا سيمتدُّ إلى تبادل المعرفة ونقدها وتحليلها، بل واستكمالها، ولذلك فإن مؤلَّف هذا الكتاب والحقيقةُ أننّي لا أثق بمصطلح (مؤلف)؛ لأنّ الكتاب لم يكن تأليفاً، بمعنى جمع وتنظيم وتنسيق وبعض إخراج، فالكتاب هو إنتاج، ويستحقُّ أن يسمّى مؤلِّفه بمنتج الكتاب، ولعّلَّ هذه الفكرة تكون بادرة.
فالمؤلفُ مارس دور “استراتيجيِّ المعرفة” بمعنى أنه تحدَّث لنا عن كيف، ولماذا؟ وقدّم كثيرًا من التّبريرات، ومارسَ أيضاً دور “فنيِّي المعرفة” بمعنى منتجها. فتحدث عن ماذا، وأين، ومتى! ومارس أخيراً دور” عامِل المعرفة” بمعنى مُعِّدها ومُنظّمها ومُنسّقها ومُخرجها!!
فالكتابُ معرفيٌّ بمعنى الكلمة، أضاف ولم يكرر، أمتع ولم يقد إلى سأم، احترم ذاته واحترم الآخر. ولهذه الفقرة الأخيرة أمر آخر!!
2. ومن يقرأِ الكتابَ يجيب عن سؤالٍ: لماذا استخدمَ الإنسانَ وخاصَّةً العربيّ، – واللغةُ العربيةُ دقيقةُ اللفظِ والمعنى- لماذا استخدمَ كلمةَ “المحترَم”، مَدخلًا لكلِّ علاقةِ مع الآخر؟ ففي كل مراسلةٍ تستخدم: السيد…… ونَختِمُها بـالمحتَرم. هذه العبارةُ السيّد المُحترَم وردت في كل تفاصيلِ الكتاب، فكلمة السّيد لن تتمّ، ولن يكون الإنسانُ سيِّداً إن لم يكن مُحترَماً.. والسّيدُ عند الدكتور المسّاد هو القائدُ الذي وضع أولى مواصفاته: احترامُ الذاتِ. واحترامُ الآخر واحترامُ القانونِ، واحترامُ البيئة! تراني أسرفتُ مثل: مُنتجِ الكتابِ في استخدمِ كلمةِ الاحترام!! فكلمةُ الاحترامِ كما ذَكَرَ المُنتج سريعةُ العدوى، وعلى عكس فيروسِ كورونا المنتشر حالياً، فإن فيروسَ الاحترامِ لا يتطلبُ تباعداً اجتماعياً، بل تفاعلٌ واندماجٌ، وعليك أن تَخرُج من ذاتك ومن عُزلتك؛ لتعرض نفسك للآخر، حتى تصيبك عدوى الاحترام.
3. والاحترامُ كما قلت: هو القائدُ والخيمةُ، ولمّا كانت القيادة تحويليةً بمعنى أنها تتطوَّرُ تلقائياً وذاتِياً، ولا تقِف عند مفهوم مُحدَّد، فإننُي وقفت ُعند: الحقيقة التي لا تقبلُ الشَّك!! ص 203 وتمنيت أن تُعرض كلَّ حقيقةٍ إلى الفحص والشِّك والتأمُّل بعيداً عن هذه العبارة، فإنَّ قيمة الاحترامِ هي خُلاصةٌ لقيمٍ عديدةٍ:
– فقد اختصرت سُلَّم الحاجات، أو هرم الحاجات عندما ماسلو. إذ صار الاحترام في قاعدةِ الهرمِ مثلِ الحاجاتِ الضروريّة التي لا تستمرُّ الحياةُ دونَها: الطعامُ والماءُ والأكسجينُ والراحةُ. وامتدت إلى الحاجةِ إلى الأمنِ. فالاحترام هو من يولّد لك الأمن ولغيرك!!
والاحترام ثالثاً انتماءٌ، فهو الذي يجعل الجماعة، أو المجتمع، أو الفريق متماسكاً.
ومن الطبيعيّ أن يكون الاحترام هو من يوَّفر الحُبَّ، ويحميه، بل ويبنيه، وهذا ما أوضحه الكتاب بشكلٍ ساطعٍ، والاحترام أخيراً هو إثباتُ الذَّات، وكما قلت قبل قليل: السّيدُ هو من كان محترماً فقط!!
إذن وضعنا مُنتجُ الكتابِ أمامَ هرمٍ جديدٍ، أُضيف الاحترامُ إلى كل درجةٍ فيه.
4. أعجبني ما قيل عن الاحترام المِهنّي، وأن العمل الناجح هو العمل المحترم، ولا مهنة دون احترامٍ، فالاحترام يولد المكانة ويبني شعوراً بالاعتزاز للمهنة، لقد وضعنا الاحترام بالخيمة التي لن تكون خيمة من غير أوتادها:
فالأوتادُ هي ما يشدُّ أزرَ الخيمةِ من خارجها، وهي كما فهمتُ من الكتاب، هي البيئةُ الفاعلةُ والداعمةُ للخيمةِ، والخيمةُ بالمناسبةِ هي أي سلوكٍ، أو أي مهنةٍ، أو أي مؤسسةٍ، ولذلك يجبُ معرفةُ أوتادِ كلِّ سلوكٍ!
وعمودُ الخيمةٍ أو أعمدتها، هي ما يخلقُ الفضاءَ الواسعَ لها، وخاصَّة العمودُ الاوسطُ القائدُ. وبالعودةِ إلى كتبِ الفلسفةِ التي قرأتُها قبل كتابةِ هذه المقدِّمة، فإنني وجدّتُ أن هناك مشتركاتٍ بين احترامِ المسّاد وبين فضيلةِ ارِسطو، فقد اختصرَ الاحترامَ بثلاثةِ أنواع من الفضائل:
– الفضائل العقليةِ المتمثلة بالمنطق، والمهارة العقلية والقيم والحكمة التي وصفها أرسطو بل والفلاسفة بأنها معرفة ما يجب عمله!!
– الفضائل العاطفيّة المتمثلة بالتوازن، والحركة البندولية، والذكاء العاطفي والحب.
– وأخيراً، الفضائل الأخلاقية المتمثلة بالشَّهامةِ، والوُدِّ والمسؤولية، والصِّدقِ مع الذات.
وأخيراً، لو كان لمقدِّم الكتاب أن يحتلَّ صفحاتٍ أكثر، وينافس المُنتج الأصليَّ له، لأسرفتُ في الحديثِ عن أمورٍ ثلاثةٍ هي:
– راكبُ الأمواجِ في البحر.
– الخطواتُ العمليةُ لبناءِ الاحترامِ أو تعليمهِ.
– احترامُ المبادئ والقوانين.
– الجانبُ النظريُّ والعمليُّ للاحترامِ.
هذه موضوعاتٌ رأيتُ أن أترُكَها للقارئِ، ولم أُعطِ لنفسي الحقَّ في أن أسرقَ مُتعتَهُ من خلال الكشف عن أسرار هذا الكتاب!!
أنا شخصيًّا ذوقان عبيدات، فرحتُ بالكتابِ، نَمْوت معه!
أهُنِّئُ المُنتِج، وأهُنِّئُ مُستهلِكَ هذا المُنتجَ.

24/04/2020

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

حالة من عدم الاستقرار الجوي وأمطار رعدية اليوم

الأول نيوز – يتوقع الأربعاء، أن تسجل درجات الحرارة أعلى من معدلاتها المناخية لمثل هذا …