أ. د. مكرم خُوري – مَخُّول – الأول نيوز –
لم تكن مئات ملايين المشاهدين من حول العالم الذين تابعوا المناظرة الأخيرة التي أقيمت بين ترامب وبايدن مساء الخميس ٢٢ أكتوبر (توقيت أمريكا) او فجر الجمعة ٢٣ أكتوبر (توقيت أوروبا والعالم العربي) هي الشريحة المهمة في هذه المناظرة، وانما كانت الشريحة المستهدفة هي حوالي السبعين بالمائة من أصحاب حق الاقتراع الأمريكيين المتبقين- الذين لم يقترعوا بعد وسيفعلون ذلك لغاية ٣ نوفمبر القادم.
فقد كانت لغة الجسد، الاداة الاولى المُعَطَّلة في المناظرة الاخيرة والاهم في العالم، في هذه الحقبة من الزمن.فلن يحتاج ‘المكوجي’ في قسم تنظيف الغسيل الجاف للكثير من البخار الساخن لتعديل تجاعيد بدلتيهما بعد هذه المناظرة! فلم ينفعلا متحركين بشوق فائض، وساد الانضباط الجسدي في هذه المناظرة التي توقع البعض سابقا ان تشوبها “الفوضى” والعنف اللفظي. كما خلت المناظرة من نبرة الصوت العالي ومن الصراخ والعويل الوقح. عموما جاء أسلوب بايدن باردا ولكن صارما؛ ورغم انفعال واسلوب ترامب السوقي ، فلم يُطفئ الغضب، سراج العقل.
بالتوازي وعكس لغة الجسد، فقد تم تقديم لغة الكلام من “مقلاة” يهون منها تراشق مفردات الزيت المغلي، الواحد تجاه الآخر ولكن عن بعد، وإن خلت هذه من شتائم الفلفل الحرٌاق. ورغم كل هذا الانضباط فإن مفردات التلطيخ الشخصي تطايرت غير آبهة بالإطار المحكم (إذ قررت اللجنة المنظمة القيام بإطفاء ميكروفون كل مرشح أثناء حديث منافسه لمدة دقيقتين) لإدارة المناظرة.
وهنا فإن الامر الذي من شأنه التأثير على الناخب المتأرجح المتردد بالتحديد هو نجاح او فشل كلا المرشحين في رسم تلك الصورة الذهنية التي كان من الممكن ان يتركها المرشحين في ذهنية الناخب عبر زرع الايحاءات في الادراك الحسي للناخبين. فهذا هو ما يمكن ان يكون بيضة القبان لكسب أكبر عدد من الناخبين. فبينما حاول ترامب جاهدا إحداث ذلك، فإن أفضل ما جاء به كان التذكير بصورته اثناء لقائه مع كيم جونغ أون، رئيس كوريا الديمقراطية الشعبية (الشمالية)؛ هذا الرجل الذي كان قد وصفه قبل ذلك بـ “البلطجي”، الا انه استصعب رسم وتقديم أية صورة لقصة انسانية تتشابك مع تجربته او تقع في برنامجه الانتخابي. بينما نجح بايدن في فن الكلام التصويري للوحات مؤطرة لغويا بشكل محكم تقفز منها القصص الانسانية التي من السهل ان تتلقفها عقول الناخبين لكسب قلوبهم بالتذكير بضحايا الكورونا (حرب-وباء) وبعمق مشاعر الفقدان لدى أولئك الناخبين الذين فجعوا بموت أقاربهم “إذ لن يجدوا احبائهم لوضع أيديهم عليهم”. وعلى هذا الأساس فقد اقام مدماكا مبنيا على النزاهة والشفافية بالحكم وتحمل المسؤولية عندما قال انه على المسؤول (أي ترامب) عن اضرار وخسائر فيروس الكورونا الا يكون رئيسا، مضيفا جرعة إضافية من التخويف: ‘نحن حاليا نتعلم الموت مع الوباء…وبانتظارنا شتاء اسود قاتم”)! بينما رد ترامب كان “نتعلم العيش مع الوباء”…وهذا هو فرق كبيربين وجهتي نظر.
كما لم يسعف ترامب قراره بإلغاء قانون الرعاية الصحية لسلفه والمعروف بـ “أوباما كير” إذ قام بايدن باستغلال هذا القرار وإثارة مشاعر الناس على صحتها وحياتها وعدالة تقديم الرعاية الصحية لأكبر عدد من الناس إذ يدور الحديث على أكثر من عشرين مليون شخص.
الصورة الإنسانية الثانية أتت بتصوير بايدن لسياسة ترامب نحو الهجرة إذ صور نزع وتفريق الأولاد من أهلهم على انها جريمة. كما صور كراهية ترامب لبني البشرة السوداء (من أصول افريقية) والأعراق (المكسيكيين) والأديان (المسلمين) كقضية نكراء، مما سيحشد له الكثير من التأييد.
وكان ترامب قد وضع نفسه في وضع حرج عندما اختلق انه “اقل شخص عنصري في هذه القاعة”… وكل ذلك بعد سياسته العنصرية والعنيفة في اعقاب القتل الشنيع لجورج فلويد تحت ركبة شرطي امريكي ابيض ودعمه لعصابة يمينية فاشية بيضاء تدعى. Proud Boys”الأبناء الفخورين”.
ولتوطيد مصداقيته ضرب بايدن مثالا شخصيا معتمدا على كون ابنته عاملة اجتماعية حيث استمع وتعلم من تجربتها عن ضرورة طرح برنامج صحة وتطوير التعليم وإيجاد فرص عمل ومنح الحرية بدلا من ‘العنصرية المؤسساتية’ السائدة في الولايات المتحدة الامريكية.
هذه اللوحات الإنسانية من شأنها دغدغة الاحاسيس الأساسية في النخاع الشوكي للناخبين (وتحفيز القلق للبحث عن الاستقرار والطمأنينة) إذ ان أي شخص من هؤلاء المواطنين يمكنه ان يكون عرضة لهذا النوع او ذاك من العنصرية والتمييز. وبالمقابل فلم يبخل ترامب على المشاهدين بإضافة امثلة تشير إلى هوسه (obsession) بشخصيته وأنانيته ووضع ذاته في المركز ( gocentric) إذ انه لم يقدم اية قصة إنسانية عن اشخاص آخرين او اهتمامه بهم (بالآخر) وانما (وحتى عندما تكلم عن فيروس الكورونا) فكل ما كان لديه هو الحديث عن نفسه وإظهار ‘الاهتمام الذاتي’ بشخصه ( self-importance) والقول انه أصيب وتعافى ليظهر بمظهر ‘البطل’.
قدم بايدن دورا متقنا إذ انه استمر باستراتيجية الهجوم الشخصي (العامودي) على ترامب (الشخص) ولم يتطرق الى الحزب الجمهوري ككل. وبالمقابل، استمر ترامب باستراتيجيته الافقية وبهجومه البانورامي ليس فقط على بايدن وانما على عدة شخصيات من الحزب الديمقراطي (الرئيس السابق باراك أوباما ورئيسة مجلس النواب الأمريكي نانسي پيلوسي والسيناتور والمرشح الرئاسي الديمقراطي بيرنيس انديرز… هذه المرة لم يذكر هيلاري كلينتون).
اما بايدن فقد لجأ الى استراتيجية التخويف من احتمال إعادة انتخاب ترامب مركزا على مركبات شخصيته وذلك ابتداء بـ ‘التلطيخ السياسي الشخصي’ واعوجاج منظومته القيمية الاخلاقية ليصل الى ‘اغتيال الشخصية’.
وصحيح ان ترامب لم يشتم والتزم حدوده عموما الا انه لم يقدم او ودعم اتهاماته الشخصية حول نزاهة بايدن المالية (وابنه هانتير الذي نشرت صحيفة ‘نيويوك بوست’ باقة من بريده الالكتروني التي حصلت عليها من حاسوبه المحمول (لابتوب) الذي كان قد تركه في مركز الصيانة والتي (وفقا للاتهام\ادعاء تشير الى ان بايدن استغل منصبه كنائب رئيس لإثراء ابنه) اية دليل مادي إذ تم التشكيك بصحة محتويات الحاسوب التي قدمت من قبل المحامي الشخصي لترامب، روودي جولياني. وقال مسؤولون:”نريد التأكيد على أننا لا نعرف ما إذا كانت رسائل البريد الإلكتروني … حقيقية أم لا، وأنه ليس لدينا دليل على تورط روسي”.
صحيح ان اقوى ادعاء طرحه ترامب ضد بايدن كان عدم إقدام بايدن على اصلاح عدة قضايا شائكة في أمريكا لكونه ابن المؤسسة ولمدة خمسة عقود، الا ان هذا الدعاء يبقى عائما ولم يصور اية لوحة تلتصق في مشاعر الناخبين. وحتى عندما أراد الظهور على انه ‘أبو الحلول’ فكل ما قاله كان وعود عديمة التخطيط وليست برامج مدروسة مع جدول زمني. فالقول انه:”نحن نحارب الفيروس بحزم شديد…ولدينا لقاح آت خلال أسابيع”…والتهرب من وضع جدول زمني كل هذا سهل على بايدن الرد: “علينا الاعتماد على العلم وليس على الخيال” ( I will choose science and not science fiction).
لم يتم تخصيص فقرة واضحة للسياسة الخارجية كما وغاب العالم العربي\الشرق الأوسط عن المناظرة كليا… الا انه التطرق الى العلاقات مع العالم جاء من نوافذ أخرى أراد من خلالها بايدن ان يثبت للناخبين ان ترامب يفعل كل شيء لعزل أمريكا عن العالم وعن اصدقائها التقليديين وبالتحديد فرض القطيعة عما سبق وإلغاء قرارات (ليس فقط بما يتعلق بالرعاية الصحية) كاتفاقية باريس للمناخ إذ قال بايدن ان الاحتباس الحراري خطر على الإنسانية وان لديه برنامج يخلق ١٨.٦ مليون وظيفةً في هذا المجال.
استغل بايدن مجالات قوة ترامب (التسويق والوعود والخيال واستراتيجية الأوهام لتقديم الحلول) وبنى عليها استراتيجيته بإظهار ترامب على انه شخصية مخادعة ومعوجة وسطحية غرائزية محذرا على ان شخصية ترامب هي سياسته وسياسته هي شخصيته المركبة من منظومة قيمية إقصائية عنصرية وغير أخلاقية مخيفة قد تجلب الكثير من الخسائر والدمار على الصعيدين الشخصي والمجتمعي العام.
رغم ان ترامب هو الرئيس الا ان بايدن ظهر متوازنا ورسميا وكرجل دولة ( Statesman) و”أب للجميع” يجمع ولا يفرق ( قائلا انه يتوجه لكل الامريكيين ولا افرق لدي بين الاحمر والازرق مشيرا الى ان ترامب يهتم في قاعدته الانتخابية التقليدية البيضاء المتدينة حتى التشدد)؛ يزرع الأمل
( Hope over fear). فقد جمع بايدن ما بين الأحوال والمزاج وقدم برنامجا منمقا عكس ترامب الذي كان يجيب بشكل غرائزي تلقائي وشخصي. ولذلك فقد ربط بايدن ما بين شخصيته و”شخصية\هوية” البلاد مرددا الضرورة للاعتماد واسترجاع “الكرامة والشرف والاحترام”… ومحذرا الناخبين ان هذه الانتخابات مصيرية:
“The character of the country is on the ballot. Look at us closely.”
!”شخصية البلد على ورقة الاقتراع. انظروا إلينا عن كثب.”
الخلاصة هي انه إذا ما بقيت الأمور على حالها فليس من المفروض ان يبقى ترامب في البيت الأبيض لولاية ثانية. الا ان الأيامالعشرة المتبقية تعد وقتا طويلا في الحملات الانتخابية الحاسمة وبالتحديد إذا قام ترامب في اختراع حركة تشوش مزاج الناخبين في اللحظة الأخيرة؟!
تويتر:
Twitter: @ProfMKM