الخوري أنطوان الدويهي –
الأول نيوز – تركتُ المدرسة باكرًا وأنا في الرابعة عشرة من عمري. لم يستهوني الدرس كثيرًا فعاملني المعلِّمون والمعلّمات معاملة سيِّئة ممّا زاد كرهي للدرس وللتحصيل العلميّ.
باشرت العمل لدى نجَّار كعامل بسيط لكنَّني استطعتُ أن أتقن العمل سريعًا حتَّى بدأتُ العمل بحسابي الخاصّ. ولم أبلغ الثامنة عشرة من عمري حتَّى كانت لي منشرة خاصَّة بي. ثمَّ فتحت معملاً للخشب في محلَّة الأشرفيَّة وصرت معروفًا في تلك المنطقة كلِّها. ما كنتُ أعرف النوم، فوصلتُ الليل بالنهار. يأتي إليَّ الزبائن من كافَّة الأراضي اللبنانيَّة فيجدون عندي كلَّ ما يريدون. فازدهر عملي بشكل سريع جدًّا.
سنة 2017، تزوَّجتُ وأنا في الثانية والعشرين من العمر. وسكنتُ فوق المعمل مباشرة. ورحتُ أجمع المال وأضعه في المصرف لأنشئ معملاً آخر خارج المدينة.
حبلت زوجتي وأنجبت ولدًا ذكرًا فدعوته “غدي”. فأحسستُ أن فرحتي اكتملت ولم يعد ينقصني شيء في هذه الدنيا. أعود دومًا إلى ربّي أشكره على كلِّ العطايا التي أعطاني ويعطيني إيَّاها. أشكره على عملي المميَّز وعلى زواجي الناجح. أشكره لأنَّني استطعتُ في سنوات قليلة أن أبني ذاتي بذاتي، وأكوِّن لي اسمًا معروفًا في كافَّة الأراضي اللبنانيَّة.
وأتى يوم الرابع من آب المنصرم المشؤوم. حصل انفجار في مرفأ بيروت اهتزَّ به لبنان بأسره. فدمَّر المناطق المحيطة بالمرفأ بما فيها منطقة الأشرفيَّة. فلم يبقَ من المعمل والبيت سوى الحيطان. فقدتُ العمل الذي أعيش منه والمسكن الذي يأويني مع أسرتي. توجَّهتُ إلى المصرف لأسحب شيئًا من المال الذي أدَّخره فيه فلم أُعطَ سوى القليل القليل فشعرتُ وكأنَّني أشحذ مالي من المصرف…
وانتظرنا، أنا ومن أصيبوا مثلي بالكارثة، الدولةَ اللبنانيَّة أن تعوِّض على المواطنين بعضًا ممَّا خسروه. وبعد شهرين من الانتظار، قرَّرت الدولة أن تعطيني مبلغًا بالليرة اللبنانيَّة يوازي الألفي دولار أميركيّ، بينما المعمل والبيت يساويان مليوني دولار أميركيّ.
عندئذٍ اسودَّت الدنيا في عينيَّ. وقرَّرتُ الرحيل من بلد ولدتُ فيه وعشتُ فيه سنوات حياتي الخمسة والعشرين وأنا من نجاح إلى نجاح. وفجأة، لم يبقَ ممّا جنته يداي سوى الحطام…
قررتُ تركَ كلِّ شيء والسفر إلى أيِّ بلد آخر، أجد فيه كرامة للإنسان، واحترامًا لأتعابه وأضمن فيه مستقبلي. صمَّمتُ على الانطلاق قدمًا نحو الأمام دون الالتفات إلى الوراء، تاركًا ورائي أجمل بلد يحلم به أيُّ إنسان، بعدما أمسى في أيدي المسؤولين السياسيّين لعنة لساكنيه، ومقبرة لمحبِّيه.
هيَّأت حقيبة السفر وحملت جواز السفر بيدي وانطلقت صوب المطار لا أبغي العودة إليه أبدًا. انطلقتُ دون أن ألتفت إلى الوراء. وضعتُ الحقيبة في صندوق السيَّارة، وقبل أن أصعد إليها، سمعتُ صوتًا ينادي: “بابا، بابا”. عندئذٍ التفتُّ إلى الوراء، ورأيتُ ابني يهرع صوبي. عندئذٍ صحوتُ من كابوسي وأسرعتُ إليه وحملتُه بين ذراعيَّ، والدمع ينهمر من عينيَّ، وأنا أردِّد قائلاً: “يا حبيبي يا غدي، أنتَ غدي ومستقبلي”…
- الوكيل البطريركيّ المارونيّ في القدس