الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – كنتُ صغيرًا عندما خطف أخي، الذي يكبرني بسنتين، من يدي كمشة من الكلل ربحتها باللعب مع جارنا. فصرت أبكي وأصرخ كي يعيد إليَّ أخي ما يخصُّني. سمع جدّي صراخي فناداني وأجلسني قربه وكان أصيب بالعمى بسبب المياه الزرقاء التي أعمت عينيه. فقد بصره ولكنَّه لم يفقد بصيرته. راح يربِّت على كتفي، ثمَّ قال لي:
“يا جدّي، لا تبكي على شيء أو أشياء من حاجات هذه الحياة، لأنَّك ترغب فيها اليوم وغدًا ترمي بها. فهي اليوم لك وغدًا لغيرك، فلا تكترث لها. إن بكيتَ على كمشة الكلل، يفرح أخوك لذلك فيبقيها معه، وإن رآك غير مكترث بالأمر يعيدها إليك سريعًا. أمّا أنت، فاسمع هذه القصَّة:
“مات أبي باكرًا ولم ينجب غيري تاركًا لي قطعة أرض لأبني عليها بيتًا. وكنّا نعيش في بيت عتيق بالإيجار. فراحت أمّي تعمل في البيوت لتعيلني. رفضت فكرة أن تعمل أمّي فسافرتُ للعمل في البلاد العربيَّة وكنتُ أرسل إليها كلَّ شهر مبلغًا محترمًا لتصرف منه وتخبِّئ ما تبقَّى ريثما أعود وأبني البيت. وبقيتُ في الغربة ما يزيد على الثلاث سنوات. في هذه الفترة، تعدَّى جار لي على أرضي وضمَّها إلى أرضه إذ أحاطها بسور وجعلها ضمن أرضه.
“ولمّا عدتُ أعطتني أمّي المال ولم تكن صرفت منه إلاَّ ما ندر. فتوجَّهتُ لأرى قطعة الأرض فوجدتها مسلوبة. واحترتُ في أمري ماذا أفعل. هل أتقدَّم بشكوى ضدَّ جاري؟ وكان له نفوذ. أم أنسى الموضوع وأبحث عن قطعة أرض أخرى؟ قرَّرت زيارته فرأيته بنى قصرًا جميلاً جدًّا. وعندما طالبته بقطعة الأرض، راح يهدِّد ويتوعَّد برفع دعوى ضدّي، فالسلطة إلى جواره. فسلَّمتُ أمري لله.
“في تلك الأيَّام، كان الجار يستعدُّ للزواج من ابنة المختار عندما سقط عن ظهر حصانه أمام منزلي الوالديّ. فأسرعتُ إليه وحملته مع جار لي إلى داخل المنزل وراحت أمّي تهتمُّ به، لأنَّ أصابته كانت بليغة.
“استدعيتُ الطبيب الذي حكم أنَّه لن يقوم حيًّا من السقطة، إذ أصابت عنقه مباشرة. ولم تكن الجراحة معروفة كثيرًا في تلك الأيَّام. ومنعنا الطبيب من إزاحته من مكانه لئلاَّ يموت على الطريق. فظلَّ في بيتنا، وأمّي تهتمُّ به خير اهتمام، وأنا أساعده في حاجيَّاته. بعدما رأى تصرُّفنا النبيل تجاهه، اعتذر عن تصرُّفه الأرعن تجاهي وطلب المختار وكتب وصيَّته أنَّ القصر والأرض حوله تكون ملكًا لي، بينما ما يملك من مال يكون من نصيب خطِّيبته. ولم تمضِ ساعات حتَّى فارق الحياة.
“لم يهنأ بالقصر الذي شاده ولم يتزوَّج فيُرزق بطفل يرثه. أمّا أنا فلم أُرد أن أسكن القصر بعده، بل بعته واشتريتُ بثمنه قطعة أرض جديدة وبنيتُ عليها بيتًا…
“يا جدّي، تعلَّم جيِّدًا ما أقول: هذا الرجل بنى بيتًا لم يسكنه، بل امتلكه شخص لم يعرفه. وخطِّيبته تزوَّجت رجلاً آخر ولم تعد تذكره أبدًا، بل صرفت أمواله على أسرتها. مرَّت عليه السنون وطواه النسيان. فلماذا تهتمُّ بحفنة من الكلل لا قيمة لها؟ نمضي نحن ويأتي بعدنا أشخاص كثيرون يستلمون الدفَّة. زماننا قصير للغاية فلمَ لا نستفيد منه في عيش الفرح والحبِّ وعمل الخير. فالدنيا تافهة وعمرنا يمضي بسرعة. لا تهتمَّ كثيرًا بجمع المال، لأنَّه باقٍ لغيرك، وسيصرفه بأسرع من حصوله عليه. فمال هذه الدنيا يبقى فيها، وعمل الإحسان ينتقل معك. تعلَّم من صغرك عمل الخير لأنَّه وحده الذي يُذكر لا عند الناس بل عند الله.”
فلنعتبر!