المحامي فخري إسكندر الداوود –
الأول نيوز – لقد كتبت خاطرة في حزيران من العام الحالي عن الغناء خوفاً من الضبع، كناية عن الخوف الذي كان يعيشه ترمب إبان الانتخابات الرئاسية الأمريكية، لكنني لم انشرها، ذكّرني بها تقرير صحفي على قناة المملكة عن الهجيني، حيث قيل أنه وزنٌ من أوزان أو بحور الشعر النبطي كان يردده البدو الرّحل على ظهر الهجن للتخفيف من وحشة البرية، وهنا أشارككم هذه الخاطرة.
“الغناء خوفاً من الضباع”
قبل ارتفاع أسعار النفط عام 1973، كان الأردنيون يعيشون حياة زراعيّة فلاحيّة بامتياز، هي المصدر الرئيسي للعيش والدخل وكانت مربحة ومنتجة والناس مستورة، والسبب أن العائلة كلّها كانت خلية متجانسة، منسجمة مع هذا العمل الزراعي الفلاحي وكانت هذه حالة جميع الأسر دون استثناء، وهذا هو سبب إرتفاع الدخل من الزراعة.
والحالة هذه، فإن الأولاد يدخلون خضّم هذه الأسرة منذ بلوغ عمره الـ10 سنوات، ولم يكن هناك مراقبة من منظمات حقوق الطفل، حيث أن الصبي يبدأ بالأعمال المساعدة إلى أنّ يصبح فلاحا يقوم بكل الواجبات المطلوبة من رب الأسرة، ولكن وخلال قيامنا بأعمال الفلاحة والزراعة والتي تتطلب أحيانا ركوب الدواب ليلاً والذهاب إلى بعض المناطق المحيطة بالقرية، وفي ظلّ عدم وجود الطرق السهلة والمستوية فكان للطرق وحشة مخيفة خاصة مع ذهنية مسبقة في التعاليل والسهرات من وجود ضباع في مناطق الأحراش والوديان وما نسمعه من خشية المقابر، ومع ذلك فلا يستطيع أي منا أن يقول أنه خائف، لأن هذه الصفة قد تُلحق به تهمة الجبن الى الأبد.
فكان الواحد منا يلجأ الى الغناء غير المتسق وغير المفهوم (عبارة عن صوت عالي ليثبت لنفسه وللآخرين أنه ليس خائفا) مع أنه “مقطوع قلبه” من الخوف، وهناك جملة كان يرددها الآخرون فيقول لشخص أغانيه مشتتة “والله يا فلان أغانيك مثل الي خايف من الضبع”.
راودتني القصة وأنا اكتبها عن تجربة حقيقية، فأنا ابن فلاح نشيط قدير وأفتخر أنني أجدت جميع الأعمال التي كان يقوم بها والدي -رحمه الله- قبل بلوغ سن الثامنة عشر وأقول هذا بمناسبة هذه الجائحة التي تجتاح العالم والتصريحات المشتتة والمتناقضة سواء كانت من رؤساء الدول وعلى رأسهم رئيس الولايات المتحدة (السابق) أو من القطاع الصحي ومختبرات التجارب الذين يوميا وبشكل كثيف تصدر عنهم تقارير كل واحد منها يناقض الآخر، وهذه الحالة تشبه أغاني أولاد الفلاحين الخائفين من الضبع فهي غير مفهومة وأربكت العالم.
لا بدّ لفيروس كورونا أن ينتهي مثل جميع الأوبئة التي سبقت! فأصبحت تصريحاتهم-ناهيك عن تصريحاتنا المحلية- مربكة مشوشة تشبه أغانينا قديماً خوفا من الضبع.