وزير الأوقاف السوري  والرأي المضاد

يزيد جرجوس –

الأول نيوز – بداية :

▪لا يمكنك انتقاد وتقييم موقف عرفته من خلال الردود عليه.

▪لا يمكنك انتقاد عمل ومواجهته عبر الإتيان بمثله.

فالتطرف أو الإنكار والرفض، لا تواجه بتطرف وإنكار ورفض، ولكن بقبول ووعي وتنوير.

▪إن محاولة تفنيد فكرة أو نظرية، لن تنتج شيئا إذا ابتدأت بالسخرية أو بالشتيمة، لأن هذه ستدفع أصحاب الفكرة تلقائيا للمزيد من التمترس خلفها، فتنتج المحاولة عكس أهدافها.

  • خلال خطبة للجمعة القاها في طرطوس يوم الجمعة ٤/١٢/٢٠٢٠ أدلى وزير الأوقاف السيد عبد الستار السيد، بمواقف إزاء قضايا الهوية والانتماء للشعب السوري، فبدر منه ثلاث جمل مفصلية من ضمن بضعة جمل في هذا السياق، لا تقول ما يزيد عليها.

– الأولى عندما قال أنه لم يسمع يوما بالأمة السورية.

مستنكرا الدعوات التي تقول أصلنا آرامي أو سرياني أو فينيقي.

– الثانية عندما قال “لا يمكن الفصل بين العروبة والإسلام”.

– الثالثة عندما قال أن المكون الأساس في المنطقة هو العروبة والإسلام، و”كل ما عداه هو ضئيل”.

إن البحث في ما هية ما قاله الوزير صار لزاما في الشأن الثقافي والوطني على المهتمين والمجتهدين، كونه أصبح قضية عامة شغلت الصفحات والناس، وستترك بكل تأكيد آثارا مدمرة أحيانا في وعي الناس، وفي مواقفها تجاه قضايا الهوية وتجاه الوحدة الوطنية.

هذا لم يكن بالتأكيد بسبب كلام الوزير وحده، ولكن أيضا في تفاصيل الردود المتوترة عليه، والتي انتقدت “جهل الوزير” و”عنصريته” بنفس الوقت الذي عبرت فيه هي أيضا عن جهل وعنصرية. فأغلب المعلقين لم يقرؤوا أو يسمعوا كلام الوزير، وأنا شخصيا قابلت أحد أكبر القامات الدينية في سوريا، ولما بدأ يدلي بموقفه ويتبرم من كلام الوزير، بادرته بالسؤال “هل سمعتم خطبة الوزير بأنفسكم؟!” فأجابني “لا.. ولكني قرأت الردود عليه”.

لنعد للنقاط التي أثارها الوزير، ونفندها هي والردود عليها، ليس لغرض التشفي وهو مُهلك، ولكن لهدف البحث والتفكير والتلاقي، والاعتراف بالخطأ عندما يلزم.

▪ يقول الوزير أنه لم يسمع بالأمة السورية، فيرد عليه بتعداد الحضارات المتعاقبة في هذه الأرض، وحصرا قبل الإسلام.

كلام الوزير بالحقيقة ليس رأيا ولكنه يتجاوز ذلك ليكون حقيقة بحثية تاريخية، فليس ثمة كيانا سياسيا أو اجتماعيا عبر التاريخ عرف باسم “الأمة السورية”. كما وأن هذه البقعة من الجغرافيا التي يقال عنها “سوريا الطبيعية، أو الكبرى” وهذه كلها أفكار جاء بها الراحل المفكر أنطون سعادة، لأغراض نبيلة عبر طرح نظريته عن وحدة هذه الجغرافيا مجتمعيا، وتضم سوريا والأردن والعراق ولبنان والكويت وقبرص.

هذه الجغرافيا لم تكن موحدة بيوم من الأيام عبر تاريخنا الطويل إلا زمن الدولتين الأموية والعباسية.

ولكن طرح الوزير لفكرته جاء بصورة استفزازية لشريحة من المجتمع السوري تؤمن بضرورة وحدة هذه الجغرافيا كمشروع نهضوي غير انعزالي، برغم معناتها من نزعات صبيانية انعزالية بين الكثير من جمهورها. نزعات لا يمكن استيعابها عموما بالرفض والسخرية ولا بالعدائية، ولكن بالفهم والتنوير.

كما أن الشريحة الأوسع من العروبيين والقوميين العرب، وعلى رأسهم الراحل حافظ الأسد، تتفق مع هذه الرؤيا ولا تخالفها، وتعتقد مع سعادة بأن وحدة سوريا ستكون خيرا وقوة للعرب، لا بل طريقا لوحدتهم. كان على الوزير أن يدرك ذلك، ويستوعبه في مقاربته التي بدت قاصرة جدا هنا، مع أنها تريد حقا في مواجهة الدعوات الانعزالية وضرب العروبة، عبر محاولة التكني والانتساب لمرحلة واحدة بذاتها قبل العروبة (وتختلف حسب صاحب الطرح من سريانية إلى فينيقية إلى آرامية..الخ) وهذا كله يقوم تماما بما يحاول مواجهته، وهو الشطب والإكراه في الإنتماء، والعنصرية تجاه العروبة.

▪ثم يقول الوزير بعدم إمكانية الفصل بين الإسلام والعروبة، وهذا في الحقيقة موضوع شيق جدا وشائك، للبحث فيه كحالة انتروبولوجية تستحق، لا بل وتستدعي الدراسة. فهو يعتقد بذلك الرأي، ولربما لا يشاركه الآخرون في هذا الاعتقاد، كما وأن اعتقادنا في أمور معرفية كهذه، يحتاج للبحث والعمل والاجتهاد للتعمق فيه، وتقديم تاولات وتفاسير، وبراهين أو مفندات عنه وفيه. وإذ ذلك، نعتقد أن طرحه بصورة الحتمية والمؤكد تبدو مغامرة معرفية، لا تستند إلى ما هو كاف من المعرفة، فما هو موقف العرب المسيحيون من هذا الطرح الذي يبدو وأنه يحيدهم، ولا يراعي قيمتهم ووجودهم الحضاري فيه. فالعرب أصبحوا مسيحيين قبل أن يصبح بعضهم مسلمين لاحقا، فلماذا لا تعتبر المسيحية أيضا جناحا من جناحي العروبة، كما الإسلام تماما، لأن الإقليم العربي هو من تلقف واحتضن ولادة الفكرتين، ثم قام بنشرهما إلى العالم.

▪النقطة الثالثة التي أثارها الوزير، والتي تبدو الأقسى، برغم عدم تركيز الردود عليها، وهذا وحده يؤشر لمدى انفعاليتها، وليس حرصها على الفهم والانتماء. عندما قال بأن “المكون الأساس في المنطقة هو العروبة والإسلام وكل ما عداه هو ضئيل”.

هنا نضع يدنا فعلا على طرح يحتمل وصفه بالعنصري. فهو وإن كان يريد القول بأن المكون الثقافي الأكبر اليوم لثقافتنا هو الإسلام والعروبة، ولكنه ما كان موفقا في توصيف الباقي بالضئيل، فكثيرا ما اعتبرت بعض المداخلات أو الطروحات النادرة أو المحدودة بمعيار الزمان أو المكان، وكأنها أساس في تكوين الصورة الكبيرة، ولا يمكن الاستغناء عنها فيها. كان يمكن أن يكون دخول الوزير إلى هذه النقطة، من هذا الباب، أكثر فاعلية ونجاحا في جمع الأطراف لا تفريقها. خاصة وأنه لا يمكنه خلع رداء المنصب الرسمي عن كاهله عندما يتحدث، وهذا أمر لا تصح المجادلة فيه.

  • نقاط واجتهادات..

▪إن حقيقة توحد بلاد الشام سياسيا بالفعل حصريا في زمن الدولة العربية الاموية والعباسية، وجعل عاصمتيها دمشق وبغداد عاصمتين للعالم وقتها.. لا بل ومقصد العلماء والمبدعين من كل الأقاليم والحضارات المجاورة للمكوث فيها والعمل البحثي والعلمي، وباللغة العربية. لا يعني بحال من الأحوال نكوصا تجاه الحضارات والثقافات السابقة والمسايرة في الإقليم، وليس الشعوب طبعا، لأن الإنسان واحد.. ولكن حضارتنا العربية هي نتاج وابنة كل تلك التمخضات والانجازات الحضارية السابقة، وخصوصا تلك التي نشأت في أول التاريخ المعروف حتى اليوم في بلاد الشام ابتداء، من السومرية والآشورية والأكادية والبابلية والآرامية والفينيقية والسريانية المسيحية.. وصولا إلى آخرها الإسلامية.

هنا نذكر المسيحية والإسلامية بصفتهما مكون حضاري ثقافي انتروبولوجي، وليس كأديان وطوائف، فذاك شأن آخر لا يجب أن يتعارض مع العلم بشيء. فالدين قيمة لكل الناس، ومن يراه غير ذلك، هو من يحتاج للمراجعة والتعلم، وليس لنعاديه بكل الأحوال.

▪الراحل المفكر أنطون سعادة ولأنه كان ابنا بارا للحضارة العربية، دافع عنها، ولم ينقضها، بل وضع دعوته لسوريا موحدة للدفاع عن العالم العربي وقيادته نحو النهضة. ودافع عن الإسلام وقدم فيه قراءة عميقة وتنويرية في كتابه “الإسلام في رسالتيه المسيحية والمحمدية” فهو اعتبر المسيحية جزء من الإسلام، فيخفق كل من يحاول ضرب المسيحية بالعروبة متذرعا بالمكون الحضاري الإسلامي فيها، تماما كما يخفق من يحاول احتكار العروبة بالإسلام وحده. ويسفِّه فكر سعادة كل من يعادي العروبة، تماما كما كل من يعادي ضرورة وحدة بلاد الشام كطليعة للنهضة العربية، في المقابل.

▪إن وجود حضارات وثقافات هي الأقدم حتى اليوم كما هو مكتشف، (هناك اكتشافات جديدة تهدد هذا الرأي وستنزله عن عرشه في القدم، وهذا لا يضيره ولا يضيرنا) على أرض نعيش نحن عليها اليوم، لا يعني :

– اولا أن هناك “أمة سورية في جغرافيا بلاد الشام” ولكن أن هناك حضارات متعاقبة ولكل منها خريطة جغرافية مختلفة تماما، وبعضها قد لا تتقاطع جغرافيا.

– ثانيا لا يعني أن تلك الحضارات المتعاقبة وبرغم أنها غالبا كانت عدوة لبعضها البعض وقامت واحدة منها بتدمير الأخرى، ولكننا لا نعتبرها عدوة او نقيضا للحضارة العربية التي حاليا تشكل المرحلة النهائية من تلك الحضارات، نتجت منها وهي لها وليست عليها.

يجب على العرب أن يفخروا بتلك الحضارات، وهذا ما درسناه في مدارسنا من السومرية الى الاشورية الى الاكادية الخ الخ

وأيضا جامعاتنا تدرس تلك اللغات الشقيقة والسابقة المولدة للغة العربية كالآرامية وغيرها.

▪إن الطرح الصدامي بين المراحل الحضارية التاريخية غير موفق، إن صدر من عروبي الهوى، أو بالعكس من من هم على خلاف في الرأي مع العروبيين.

▪إن الإصرار على شطب العروبة والانتساب لمرحلة محددة من تاريخ هذه الأرض، هو أيضا فعل سطحي عنصري وغير علمي. ويمارس تماما ما يدعي أنه ينقده، من الإلغاء والعنصرية. فالتاريخ وتشكل الهويات الحضارية، لا يمكن دراسته بمبضع الجراح، ولكن بحكمة العالم وبفهمه، لما يجمع لا لما يفرق.

▪يقول شمعون بيريز سنة ١٩٩٥ «لن نستطيع الدخول إلى جسد المنطقة إلا إذا نجحنا في تدمير الثقافة التي تقوم على أن العرب أمة واحدة»‏.

▪يقول العميد المتقاعد موشي فرجي في كتابه «إسرائيل وحركة تحرير جنوب السودان» الصادر عام ٢٠٠٣ عن مركز ديان لأبحاث الشرق الأوسط وأفريقيا في جامعة تل أبيب، ما يلي: «إن الاستراتيجية الإسرائيلية إزاء المنطقة العربية انطلقت من رفض فكرة انتماء المنطقة العربية إلى وحدة ثقافية وحضارية واحدة»‏.

▪يقول محمود درويش في حوار مع مجلة الطريق عام 1968 وردا على سؤال الناقد اللبناني محمد دكروب، حول “أهم المعارك الفكرية التي خاضها الشعراء في الأرض المحتلة” يقول درويش

“لعل مكافحة سعي سلطة الاحتلال إلى إشاعة العدمية القومية في صفوف الجيل العربي الجديد، قد أصبحت إحدى معاركنا اليومية… وتوحي السلطة (سلطة الاحتلال) لمأجوريها، بين الحين والآخر، لاختلاق مناقشة واسعة حول ((هل العرب يؤلفون شعبا؟)) وتملأ صحفها بالمصادر ”والبراهين والأدلة القاطعة!” على أن هذه الشعوب المسماة عربية، ليست عربية!”

▪تقول الدكتورة صفية أنطون سعادة في مقالة نشرتها سنة ٢٠١٨: «إن الحضارة العربية نشأت في أنحاء سوراقيا، ومنها انتقلت إلى أنحاء العالم العربي»‏.

▪كان يمكن لشخص أكثر ثقافة وأقوى كاريزمة من السيد وزير الأوقاف، أن يُبلي في مداخلته تلك بشكل أفضل، ويوصل فكرته عن رفض الأفكار الانعزالية بمرونة وقبول، لا بتعال وإقصاء كما بدا.

  • كاتب سوري، مقيم في مدينة حمص

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

مقعد الشباب هو جوهر الإصلاح

الدكتور احمد الطهاروة – الأول نيوز – يثور بين الحين والآخر جدل قانوني حول كيفية …