«مشاورات الحكومة».. وعبرة من الماضي

 

  • د. سليمان صويص –

الأول نيوز – «الحكومة تبدأ مشاورات الثقة مع الكتل النيابية»… عندما قرأت هذا «المانشيت» على صدر صحيفة «الدستور» الصادرة اليوم (الاثنين)، ابتسمت بحزن، لأنه ذكّرني بقصة تعود إلى مطلع ستينيات القرن الماضي عندما تقدم رئيس وزراء أردني أسبق ببيانه الوزاري، عقب تشكيله أول حكومة له بتاريخ 22 شباط 1962، إلى مجلس النواب طالباً الثقة على أساسه. إنه المرحوم وصفي التل الذي أصبح مع مرور السنين ـ وبحق ـ «أيقونة» الأردنيين، والنموذج-المرجع عند الحديث عن الوطنية والإخلاص والنزاهة.

تقول القصة التي أظن بأن الأجيال الجديدة من الأردنيين لم تسمع بها، ولذلك من المهم روايتها والتمعن في تفاصيلها ودلالاتها : «في يوم جلسة الثقة، ألقى الرئيس بيانه الوزاري، وعند بدء الاقتراع تناول أحد النواب من جيبه عريضة موقّعة من حوالي ثلاثين نائباً ، تمنح الحكومة ثقتهم. وما أن شرع النائب بقراءة أسماء الموقعين حتى وقف وصفي يقول : هذه العريضة تخالف الدستور فأرجو من النائب تمزيقها. لا أريد الحصول على الثقة عن طريقها. هنا (أشتا ميدان)، وهي عبارة تركية تعني «هذا هو الميدان»، ردّدها في معرض التحدي والإصرار على المواجهة المباشرة. ثم تابع : لقد عرضت سياسة وزارتي فليعط الثقة من يشاء علناً وليحجبها من يشاء علناً. لم أخف شيئاً عن المجلس، ولا أريد أن يخفي أحدٌ شيئاً. أنا لا أشتهي الحكم؛ فإذا شاء المجلس أن أستمر فليعط الثقة، وإن لم يشأ فهو حر».

تواصل القصة قائلة : «هذا المشهد الإستهلالي الذي رافق بدايات أول حكومة شكلها يوضّح بشكل قاطع صورة وصفي التل. فإذا أضيفت إليه مقاطع من البيان الوزاري الذي نالت على أساسه حكومته الأخيرة الثقة، الذي القاه أمام مجلس النواب الأردني إزدادت الصورة وضوحاً، وأبرزت نهجه الثابت على الحق. ومما جاء فيه : إن أسوأ أنواع الحكم في هذا العالم هو الحكم الذي لا يعرف ماذا يريد، ولا يمتلك أهدافاً يسعى إلى تحقيقها؛ عندها يتحول الحاكمون إلى عصابة، ويتحول مجلسهم إلى تكية للتنابلة، أو إلى أضحوكة في أعين الناس. أما أخطر الآفات التي تؤدي عادة إلى تآكل الحكم في أي بلد فهي التقوقع أو التحجّر. ولعل هذا التقوقع وذلك التحجّر هما خير سماد يساعد على تكاثر الفساد، واستشراء الإنتهازية وانتشار الإرتزاق، وتمرد الجهل وتسلط الإنحراف. ونحن في الأردن، نحمل من التخلف مثلما يحمل إخواننا وأشقاؤنا. وعلى الحكم أن ينضو عن الحياة الأردنية ثيابها البالية كلها وينزعها عنها، مثلما عليه أن يعيد خلق الحياة، بل أن يعيد خلق الإنسان فوق أرضنا، ويبدأ بخلق الدولة الحديثة في الأردن المعاصر. وستظل الوحدة الوطنية بعيدة عن أي مضمون حقيقي ما لم نسع إليها بالعمل لا بالقول، واضعين نصب أعيننا تفعيل سيادة القانون، والحرص على الإنتاج والتمسك بالأهداف القومية العليا» (كتاب «وصفي التل .. مشروع لم يكتمل» لمؤلفته ملك يوسف التل الصفحة 166).

 أين نحن اليوم من ذلك السلوك الرفيع وتلك المفاهيم وذلك الفكر ؟ مَن يُفكّر اليوم ـ بعد سبعين عاماً على كلام وصفي ـ  بإعادة بناء الإنسان الأردني وتفعيل سيادة القانون بحيث يُطبّق على الكبير قبل الصغير ؟ أين هو اليوم «برنامج» بناء الأردن وحمايته والدفاع عن إرادته الحرة في مواجهة الأعداء .. وما أكثرهم ! مَن يتكلم بهذه اللغة الواثقة من نفسها ويقول بملء الفم : انا لا اشتهي الحكم ؟ بعد مئة عام على تأسيس الدولة، ها هم الأردنيون يصرخون من الوجع ويطالبون بالقضاء على الفساد الذي كلما أكد المسؤولون على «مكافحته»، يلمس الأردنيون تفاقمه واستشرائه …والدليل : أنه لم يتراجع قط، والدليل التهاون والتراخي في معاقبة الفاسدين الذين يعرفهم الرأي العام جيداً، بإستثناء أولئك الذين يكافحون الفساد !  أيام زمان، كان وصفي يكرّس يوماً في الأسبوع لإستقبال المواطنين الذين لديهم مشاكل مع الحكومة، وكان يحل قضايا المواطنين. اليوم يطلب مواطنون لقاءاً مع رئيس الوزراء فيعتذر دون إبداء الأسباب (حدث ذلك قبل أيام فعلا، عندما طلبت  خطياً قيادة حملة مقاومة اتفاقية الغاز مع اسرائيل لقاءأً مع رئيس الوزراء فاتصل سكرتيره هاتفياً ليعتذر عن عدم امكانية عقد اللقاء).

لقد عشنا ورأينا ـ للأسف ـ كيف عملت المعاول البشرية والسياسية والإعلامية هدماً للتراث الذي خلّفه وصفي التل وثلة من المسؤولين المخلصين من أبناء هذا الوطن. عشنا ورأينا أين كنا وأين أصبحنا.. لكن عِبر الماضي وإعادة نشر ذلك التراث وتعميمه واستيعاب دروسه سوف يساهم في إعادة بناء الوعي الضروري لنهضة الأردنيين الموعودة… مهما طال الزمن.

أخيراً، هل تواجه الحكومة الجديدة مجلس النواب الجديد بمثل ما فعله وصفي قبل سبعين عاماً أم أن استجداء أصوات الثقة يسبق جلسة الثقة ؟  طبعاً ثقة الشعب بهم … موضوع آخر !

 

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

مقعد الشباب هو جوهر الإصلاح

الدكتور احمد الطهاروة – الأول نيوز – يثور بين الحين والآخر جدل قانوني حول كيفية …