فلسطين: “مقام النبي موسى: ما بين التنسيق “المقدس” والوعي المدنس؟

باسم داغر –

الأول نيوز – منذ انتهاء الانتفاضة الفلسطينية الأولى (١٩٨٧-١٩٩٣) وتوقيع اتفاقيتي اوسلو (١٩٩٣-١٩٩٤) وما ترتب عليها من التزامات وما نتج عنها من افرازات سلبية على الصعيد السياسي والاقتصادي والثقافي والمجتمعي تتعرض منظومة القيم الوطنية والاخلاقية الفلسطينية الجامعة (لربما في غالبية أماكن التواجد الفلسطيني) الى اهتزازات وتصدعات بنيوية بنسب مختلفة وذلك نتيجة مخططات مدبرة بالكامل لم تحد منها حالة الانقسام الفلسطيني المستعصية والظروف المعيشية الصعبة التي ادت الى تشققات في البنيان الوطني العام.

احدى النتائج/ الظواهر التي شهدناها مؤخرا هي البروز الديماغوجي لخطاب إسلاماوي تكفيري اقصائي يثير النعرات والفتن الدينية والطائفية والمذهبية والفئوية (الفكرية) والجهوية. ليس فقط ضد الفلسطينيين المسيحيين، وإنما ضد كل من لا يفكر او يخضع للفكر التكفيري المتطرف. 

فقبل أعياد الميلاد المجيدة أصدرت حركة “حماس” في غزة (وزارة شؤون الأوقاف) مستندا يدعو الى اتخاذ تدابير لمنع تفاعل الناس مع الاخوة المسيحيين من ابناء شعبنا في قطاع غزة (بعد ممارسة الضغط عليها قامت بإصدار تصريحات لم ترتق الى قرارات وسياسات في الصميم القانوني). وبنفس الوقت أصدر رئيس جماعة (العلماء) والدعوة في القدس المحتلة فتوى بتحريم تهنئة المسلمين لأخوتهم المسيحيين في اعيادهم (لم نسمع منه بنت شفة ضد الاحتلال) كما تم احراق شجرتي عيد الميلاد في سخنين (الجليل الأسفل شمال فلسطين) في عملية مشبوهة للغاية.

سبق ذلك زيارة الشيخ عكرمة صبري (رئيس الهيئة الاسلامية العليا في القدس المتناغم من نظام إردوغان) بتاريخ 4 ديسمبر 2020 الى كنيسة / مسجد “آجيا صوفيا” في القسطنطينية/ إسطنبول وذلك خدمة لاجندة اردوغان الذي حولها الى مسجد عثماني مما اثار انتقادات دولية علمانية ودينية اسلامية ومسيحية واسعة مبررا وتاركا الاحتلال الصهيوني بالعبث في المقدسات الفلسطينية والاستمرار في تدنيس المسجد الأقصى واستباحة الحرم القدسي الشريف لأكثر من نصف قرن. وقد رافق ذلك تحريض مشبوه ضد شخصيات مقدسية وطنية شملت نيافة المطران عطالله حنا أكثر الشخصيات المقدسية الحريصة على الوحدة الوطنية.

وقبل رأس السنة عادت موجة الفتنة وإثارة النعرات الدينية والاستغلال الحزبي والسياسي للدين مرة اخرى في فلسطين وذلك بسبب اقامة حفل مرخص من نوع موسيقى “تكنو ميوزيك” (وللتوضيح فالحفل لم يقم من قبل فلسطينيين مسيحيين ولا علاقة له بالأعياد المسيحية) وذلك في أحد اقسام مقام النبي موسى (نبي اليهود) بالقرب من اريحا والبحر الميت والذي يحتوي على فندق ومسجد و بازار. ولم تكن لتأتي ردود الافعال غريزية لولا التوظيف الحزبي والشخصي السياسي للدين والتي قامت بها بعض الجهات الانتهازية الغير مسؤولة.

فقد تم تحريك مجموعة من الشباب الغاضب الذين وصلوا (مدفوعي الاجر؟) بطرد المحتفلين من هذا المكان بالقوة وبالاعتداء وتكسير واحراق الاثاث التابع للفندق و”تطهيره” وبعد ذلك قيام المعتدين فيما بعد بإقامة الصلاة فيه بعد “تحريره نصرة للدين الله”.

وقد قام “حزب التحرير” الذي يرفع منذ زمن شعار “لا نضال في ظل احتلال” وذلك لتعويض عجزه السياسي وافلاسه الوطني بشن خطابات اقصائية دينية وتحريضية ضد حكومة السلطة الوطنية الفلسطينية؛ كذلك فعلت حركة حماس لأسباب حزبية وسياسية انتهازية في الوقت الذي تمنع فيه دخول منتوجات الضفة الفلسطينية الى قطاع غزة بسبب (حماية المنتوج الوطني) أي “الوطن الغزاوي” !؟

الشرطة الفلسطينية لم تحم من منحتهم سلطتها ترخيص إقامة الحفل كما انها لم تحم المكان من الاعتداء من قبل المجرمين لا بل انها اعتقلت المستضعفة الفنانة الموسيقية سما عبد الهادي (وسننتظر نتائج التحقيق بالتأكيد وما الذي سينفذ منه). 

الا ان التصرف الأسوأ والانزلاق الاخطر  كان قيام وزير التربية والتعليم السابق وعضو اللجنة المركزية لحركة “فتح” الدكتور صبري صيدم (التي من المفروض ان تكون هذه حركة وطنية ثورية جامعة تحت سقفها العلماني) وذلك تحت وطأة التنسيق الامني المقدس والجهل المكدس بالانسياق الى الخطاب الديني الشعبوي الإقصائي والاندماج به وتبنيه  في سلوك  امتثالي اذعاني  يعبر فيه عن حالة نكوص فكري وانتكاس وطني وفصام سياسي من خلال التظاهر بسلوك (تطهيري) من رجس اوسلو  ودنس التنسيق الامني في اجواء ‘تكنو-إسلاماوية’ مضادة، غاب فيها العقل وتحررت الغرائز لترتفع فيها موجات الصراخ والتكبير الغريب  عن تقاليد حركة “فتح” . تصوروا كيف سيستغل فيديو صيدم في حال ترجمته الى لغات اجنبية إذ سيقال: إذا كان هذا تصرف وزير تربية وتعليم “فتح”… فما بالكم بحماس والاخوان والنصرة وداعش؟

فقد ظهرت حالة الفصام (ام الصراع السياسي الداخلي؟) في صمت الشيخ الفتحاوي المتزمت الجديد جدا؟ صبري صيدم عن اعادة العلاقات مع الاحتلال والتنسيق الامني المقدس لربما بسبب انه تحقق من خلال “النصر العظيم”  من “بطله” المجاهد حسين الشيخ (مسؤول التنسيق الأمني) من خلال اقصوصة ورقية من مندوب الاحتلال لتغطية العورات السياسية؟

وهنا نتساءل: لماذا لم نر صبري صيدم خلال العقدين الأخيرين يقود المظاهرات في الحرم الشريف والأقصى او الحرم الابراهيمي ضد المستوطنين او حتى الى حاجز قلنديا؟ كيف يخالف (وزير سابق) القانون الذي يمنع الفتنة وهو جزء من السلطة التي غالبيتها فتحاوية (بما في ذلك رئيسيها عباس وإشتية؟) وينزلق الى هذا المستوى المشين؟ هل بمقدور افراد من هذا النوع (“وزير” فتحاوي سابق) تحرير فلسطين الديمقراطية المتنورة التي نصبو اليها؟ هل أمثال صبري صيدم التي انجرفت (ام ان الإناء نضح بما فيه؟) ولم تصمد امام غوغائية الفتنة الاقصائية ولو لثانيتين، هي التي ستصمد في المفاوضات لانتزاع الحقوق الفلسطينية؟

هل اعتقال الفنانة أسماء عبد الهادي هو الحل؟ الم يأتي ترخيص الحفل (لا نعرف في اية قسم لكن نستبعد ان يكون قد منح لإقامته في المسجد) من حكومة السلطة الفلسطينية ذاتها (تلك التي ينتمي اليها صبري صيدم الذي جاء ليعمل ضد (‘معسكر’ آخر يرأسه رئيس الحكومة د. محمد وإشتية في حركة ‘فتح’؟).؟ ام ان التراخيص صدرت عن سلطات غيبية؟ الا يمكن احترام أماكن العبادة من جهة والسماح بالحرية الثقافية والتعددية الفنية كل وفقا لذوقه وبدون اكراه واعتداءات؟ الى اية دولة ديمقراطية أنتم ذاهبون؟ خير سيفعل رئيس الحكومة الفلسطيني الدكتور إشتيه فيما لو شجع القضاء الفلسطيني (بمحاكمة الجميع وليس المواطنين العاديين فقط وانما صبري صيدم أولا) لكي يثبت انه ما من انسان فوق القانون.

تعبر بعض السلوكيات الرسمية والحزبية والأهلية مؤخرا عن احباط مرير وسلوك خطير يزداد عمقا داخل المجتمع الفلسطيني (في شرق فلسطين المحتل عام ١٩٦٧ والذي يخضع لسلطتي فتح وحماس) في ظل محاولات لجهات اقليمية ودولية تصفية القضية الفلسطينية. السماح بمقدمات لحالة التفكك الوطني والانهيار المجتمعي قد يقود الى حالة اللا -تشيء الكياني مما يعبد الطريق (ولربما يسهله) لتطبيق تصور الاحتلال الصهيوني ‘لحل المستعصية’ الفلسطينية بواسطة إعادة تصنيع مجموعات عميلة للاحتلال أمثال ‘روابط القرى’ (عنصرية تحريضية دينية؟) في الضفة الغربية المحتلة و ‘دويلة-امارة’ في قطاع غزة؟

 هذه المظاهر الهدامة تستدعي الاسراع بتقديم حلول عملية والى تظافر جهود الجميع (مثقفين وأكاديميين مهنيين وتربويين وعقول مسؤولة في احزاب ومؤسسات ونقابات ومجتمع مدني وقيادة رسمية) الى صياغة رؤية وطنية شاملة تعبر عن هوية الشعب الحضارية وتطلعاته في التحرر الوطني على قاعدة وحدة الارض ووحدة الشعب (وطنيا وهذا لا يعني ان نحب كلنا الموسيقى ذاتها) ووحدانية التمثيل وتعزيز قيم التعايش والتسامح والتضامن والديمقراطية والتعددية والمساواة وفوق كل ذلك احترام حرية وحقوق الانسان وصون كرامته واعتبار جميع المقدسات الدينية المسيحية والإسلامية ارثا وطنيا حضاريا ملكا لجميع ابناء الشعب الفلسطيني تتوجب المحافظة عليه والدفاع عنه من جميع افراد الشعب الفلسطيني عبر الوحدة الوطنية والاحترام المتبادل الامر الذي يتطلب مبادرات حقيقية جادة وصادقة ومثابرة ومتابعة وليس من خلال خطابات رنانة وشعارات براقة بل مخطط عمل قابل للتنفيذ.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

الغباء السياسي

الاول نيوز – صلاح ابو هنّود – – مخرج وكاتب – في السياسة قد يكون …