نفقُ الحبّ

الدكتور موسى برهومة  –

الأول نيوز – هل ما زال الحبّ محتفظاً بصولجانه؟ هل ما زال قادراً على رجّ الأرض، وزلزلة الغيوم؟ أم أنّ أزمنة العولمة جعلت إيقاع المشاعر سريعاً على طريقة “Take Away”؟

تَسمع عن قصص عشّاق كانوا ذائبين في حمّى الغرام، ثم يقال لك إنهم ما عادوا عشاقاً، فتسائل نفسك: هل كانوا إذاً عشاقاً. فلو أنهم كانوا لظلوا عشاقاً حتى يرث الله الأرض ومن عليها. لكنه النزيف الذي يضرب خبط عشواء كلَّ شيء، حتى المشاعر.

ولكن ماذا عن أولئك العشّاق الذي رصّعوا قلب الدنيا بالجمال والتضحية، منذ أول خفقة عصفت في صدر محبّ ومُحبّة حتى آخر شهقة كانت تودي بصاحبها العاشق النفقيّ في المكسيك؟!

واستطراداً، كما ورد في الأنباء، فقد ذُكر أنّ عامل بناء مكسيكياً استثمر مهاراته في الإنشاء والتعمير فحفر نفقاً أسفل منزله يصله بمنزل حبيبته. وتواصل اللقاء بين “أنطونيو” و”باميلا” في ذلك النفق، حتى جاء يوم عاد فيه زوج الحبيبة، على غير موعده، فاكتشف الأمر، وذاعت “الفضيحة” في العالمين.

ولا ريب في أنّ “أنطونيو” بذل جهداً خارقاً بحفره نفقاً طويلاً تحت الأرض يمتد عدة شوارع كي يلتقي بـ”باميلا”. لقد كانت فكرة مبتكرة ومرهقة ومحفوفة بالمخاطر والأذى. ومن المؤكد أنّ “أنطونيو” أمضى أوقاتاً طويلة، ونزف من كدّ عقله وهو يُقدِم على هذه المخاطرة المميتة. فهل كان الحبّ دفاقاً في عروق العاشقين لكي يبدعا “نفق الحب” ويتحديا كل الأعراف وقوانين العلم والجيولوجيا والطبيعة؟

في الملحميات الكبرى، كان للحب وقع البركان. وظل محرّكاً للتاريخ وصانعاً للتراجيديات الملهمة منذ “الإلياذة” و”الأوديسة” وحتى “نفق الحب” مروراً بتاريخ عربيّ مضرّج بآهات العشاق الحسّيين والعذريين الذي نقشوا على صدر الزمان عذاباتهم وأحزانهم، وجعلوا انكساراتهم وهزائمهم عنواناً للفداء.

لم يتبدّل شكل الحب، يقول الجزء المتفائل من عقلي، وفي البال الفتاة المضاءة بالياسمين التي قالت قبل سنتين لأبيها: إن لم أتزوجه فلن أتزوج أبداً، فما كان للزمان إلا أن انحنى أمام رغبة الحب التي أثمرت “فهداً” يود أن يخرج إلى الدنيا عما قليل بكشرة “أردنية” عابرة للقارات!

وفي الجانب المتشكّك من العقل ذاته، حالات لـ”عشاق” سريعي الاشتعال، سريعي الانطفاء، يبدّلون حبيباتهم، كما يبدّلون قمصانهم، وهنا ليس ثمة تحيّز لجنس دون آخر فالذكر والأنثى شريكان في هذه “الجريمة” على حد سواء، والسبب في ظني أنّ الإيقاع السريع للعصر الرقمي قد أصاب المشاعر بلوثته وجنونه، فتعولمت الأحاسيس، وأصبح العشاق نزقين، قليلي الصبر، فاقدي الحكمة والحنان.

صارت قلوبهم، يقول العقل المتشائم، تخفق بتردّد. لم يعد الضجيج حليف الأفئدة. أضحت العلاقة وجبة “Fast Food” تؤكل بربع ساعة فيصاب صاحبها بالشبع والامتلاء، ويعتقد أنه لبّى نداء المعدة الخاوية. ولكن ماذا عن القلب العليل الذي يجأر بالفراغ والوحدة؟

صاحب “نفق الحب” في مدينة تخيوانا المكسيكية، يشعل ضوءاً في أنفاق أرواحنا، وكأنه ينادي بالمشاعر أن تنهض من غفوتها، وألا تستسلم لقوانين الاجتماع والطبيعة. كان “أنطونيو” يدرك أنّ الحب لا يستقيم بدون تضحية، فكم أدمت يديه الصخورُ، وكم نزف في عتمة النفق منذ كان حفرة صغيرة حتى أمسى طريقاً لفجر الغبطة.

أضحى “أنطونيو وباميلا” كما “روميو وجولييت”، دليلاً ساطعاً على الحب المضحّي الذي يُعطي بسخاء ولا ينقطع ماؤه، ولا يجفّ نداه. العاشقان الأخيران خضّبا الحب بدمائهما، ولكننا لا نتمنى هذا المصير للعاشقين المكسيكيين اللذين أطلّت حكايتهما مع شهقة العام الجديد، وحملت من الرموز ما يسعف النبهاء أن يتعظوا منها، وبخاصة الجانب الشعريّ في الحكاية: الضوء الشحيح في النفق الضيّق. هل كان ضيّقاً حقاً على العاشقيْن، أم أنه أمسى كوناً فسيحاً من اللهفة والجنون؟

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

الضمان الاجتماعي في الأردن .. بين خطاب الطمأنة والأزمة المؤجلة

الأول نيوز – محمد قاسم عابورة لقد تحوّلت بيانات وخطابات المؤسسات والمسؤولين إلى ما يمكن …