الدكتور سهيل الصويص –
الأول نيوز – ما يزال الأردنيون يعيشون في حالة من الاضطراب في كيفية التعامل مع فيروس الكورونا ونتائجه حتى بعد مرور أحد عشر شهراً على بدء الجائحة.
لقد كنا سباقين بين بلدان العالم الثالث في بدء حملة التطعيم التي هيأت لها الدول الكبرى دعايات ضخمة لحث المواطنين على المبادرة في تسجيل أنفسهم للحماية من هذا الفيروس وعواقبه وكانت الاستراتيجية النظرية تتحدث عن تطعيم 60% من الأردنيين وافتتحت منصة خاصة لتسجيل الراغبين والمتحمسين لكن على أرض الواقع تم تحديد الأولويات في المرحلة الأولى لتطعيم 68 ألف شخص الأكثر تعرضاً للمخاطر.
بعد أسبوعين فقط ها نحن نكتشف بأن ثلث مليون أردني فقط قد تم تسجيلهم على المنصة أي أكثر بقليل من سكان محافطة الطفيلة والأمر المدهش الاَخر هو أن أقل من 35 ألف شخص قد تلقوا المطعوم أي ما يعادل سكان ماحص والفحيص وذلك رغم ضخامة المراكز المؤهلة وكثافة الطاقم الذي أثبت تمتعه بكفاءة ومهنية عالية لكن المفاجاَت الصادمة لم تتوقف فها هم يزفون لنا بأن مخزون أحد المطاعيم قد استهلك ” في الوقت الحاضر ” ونحن الذين نصغي منذ 4 شهور على الأقل بأننا قد حجزنا او اشترينا مليون جرعة منه بل وبحنا بالكلفة على شاشة التلفزيون .
ما الذي يفسر عزوف الأردنيين ورفض الغالبية العظمى منهم فكرة تلقي المطعوم ؟ لايمكن في بلد لا يخلو بيت به من مهندس أو محام أو صيدلاني أو طبيب أن يقامر إنسان بصحته وحياته عن سبق إصرار دون دوافع متينة فما الذي يجري إذن ؟
كيف يمكننا استيعاب ما تم تداوله من تخلف 30% ممن تلقوا دعوة لتلقي التطعيم عن موعدهم ونحن نعلم بأن الدفعة الأولى محصورة بالطاقم الصحي وكبار السن أي أكثر شرائح المجتمع تعرضاً لعواقب المرض ؟
والسؤال المحير الأخير هو كيف يمكن تفسير تفضيل نسبة لا بأس بها من الأطباء كما شاهدناه في مراكز التطعيم للمطعوم الاَخر غير الذي تستخدمه الدول الغربية وغير الذي روجنا له حملة خيالية من التهليل حتى نكتشف فجأة بعد أسبوعين فقط بأن محصوله قد نفذ وها نحن نجلس منتظرين هطول دفعة جديدة لا نعرف إن ستصلنا أو متى بل ولا معلومة رسمية قطعية تطمئننا بأن الكمية المتوفرة حالياً من المطعوم الثاني كافية للثلاثمائة ألف مواطن بل وحتى لل 68 ألفاً من ذوي الأولويات ؟
أسئلة بل وتساؤلات لن تجد سوى أجوبة افتراضية فمنذ بداية الأزمة لم يتم التعامل مع الرأي العام في أمور حيوية بصراحة واضحة وبشفافية ولربما كان ذلك الدافع الرئيسي لتردد الأردنيين بل ولعزوفهم عن فكرة التطعيم .
قد يكون من المنصف الاعتراف بأن سياسة توزيع الأدوار والمسؤوليات كانت خطوة جيدة من وزيرنا الذي لا يجيد الأسلوب الاستعراضي ولا ال one man show لكن ذلك وللأسف لم يمنع تعدد المرجعيات وتكاثرها في الحديث عن استجدادات مرض الكورونا ومطاعيمه مما أدى لتناقض المعطيات في مخيلة المثقفين والبسطاء وذلك دون تناسي تنصيب بعض الصحفيين ومنهم المراهقين أنفسهم كخبراء في الصحة العامة يفرخون ما ليست لهم دراية به من معلومات سطحية وأحياناً مختلقة عن المطاعيم مما أضاف دافعاً اَخر لبث الشكوك والتساؤلات .
الأردني يا سادة ومنذ ظهور الجائحة يعيش في دوامة من الضغط النفسي والارتباك وسئم سياسة الوعيد والتهديدات التي تتواصل ولم يكن موفقاً أبداً البدء بالتهديد بجعل المطعوم إجبارياً لكافة المواطنين قبل أن يتأكد مطلقوا التهديدات بأن في خرطوشهم فشكات كافية .
منذ البداية والمواطن هو الضحية الأولى للمرض لكن التصريحات حولته للمسبب للفيروس بسبب إهماله وعدم تقيده بقواعد الوقاية وهذا به بلا شك بعض من الصحة لكن كيف يمكننا أن نلوم أردنياً يقطن قرية نائية لأنه لا يضع كمامة ووزير الصحة يعلن بابتسامة نشوة النصر بأن الفيروس قد نشف ومات فإذ به ينهض بحيوية وانتعاش ليعود للحياة من جديد بل وبعد شهور من الاتهامات والوعيد للمواطنين اللامبالين في المؤتمرات الصحفية اليومية ها هي الحقيقة تظهر لتبرئته جزئياً فما ندفع ثمنه اليوم غالياً منذ منتصف اَب يعود للتقصير والإهمال على حدود جابر ( والوصف لوزير صحتنا الكريم أيام كان ناطقاً باسم لجنة الأوبئة ) فمأساة جابر غيت هي التي نشرت الفيروس في كافة محافاظات الوطن وليس فقط عدم استخدام المواطن للكمامة .
لذلك فإذا كان هدفنا حماية الأردنيين من عواقب الفيروس وإقناعهم بضرورة تلقي المطعوم فالأجدر كان الابتعاد عن سياسة الضبابية والفوقية والتوقف عن التعامل معهم كمواطنين غير واعين وإيصال الحقائق لهم بأسلوب واضح مبسط سلس.
انتشار وسائل التواصل الاجتماعي جعلت الأردني يتابع الأحداث وما تنقله المراجع عن تأثيرات جانبية للمطعوم فلماذا بدل الاستخفاف به منذ البداية أعلمناه ببساطة بأن مطعوم الكوفيد مثل بقية المطاعيم قد تنتج عنه اَثاراً سلبية مؤقتة بدل تكرار جملة سئموها بأن المطعوم اَمن فها هي الوزارة بعد أسبوعين من بدء حملة التطعيم تعترف بتعرض 5309 ممن تلقوا المطعوم الأكثر رواجاً في الدول الغربية لبعض الأعراض وغالبيتها بسيطة ومتعارف عليها لكن من بينها أيضاً صداع وإعياء عام وضيق تنفس وحرارة وألم في الكتف فهل سيشكل ذلك تشجيعاً أم إحباطاً للمترددين الذي استخفت بهم التصريحات منذ البداية وكأن الوفاة بنظر منظرينا هي المضاعفة الوحيدة المقصودة للمطعوم ؟
لماذا لا نشرح للمواطنين بصراحة ودون التباس الدافع من قيام حكومتنا بنزع المسؤولية عن الشركة المصنعة لأحد المطاعيم الرئيسية في حالة حدوث مضاعفات وحتى وفيات لا قدّر الله وفي الوقت نفسه نطالبه بإغماض عينيه وتلقي المطعوم ؟ هل يمكن لمواطن بسيط أن يسافر في رحلة طويلة وقد أعلمناه مسبقاً بأنه إن طرأ حادث للطائرة أو خلل في الجو فشركة ايرباص أو بوينغ غير مسؤولتان عما حدث ووحده مدير عام الملكية الأردنية يتحمل المسؤولية ؟
نعود ونكرر بأن غياب المعلوماتية الدقيقة السلسة الواقعية وتعدد المرجعيات وتناقضها وتكاثر مصادر المعلومات الصحفية غير العلمية جعلت الأردني لا يلتزم في البداية بقواعد الوقاية بل وجعلت العديدون يرفضون قبول وجود الفيروس فكيف نطالبهم اليوم بتقبل علاجه ؟
ها هي الأصوات العاشقة والبارعة بلغة التهديد تتواصل وتطالب بحرمان من تخلفوا عن موعد التطعيم من تلقيه لاحقاً. بدّلوا اسطوانتكم يا سادة فالوقت ليس بمتأخر لاستعادة ثقة الأردنيين كونوا فقط واضحين وصريحين وامنحوهم المعلومة الحقيقية ببساطة ومصداقية دون ضبابية بل واستخفاف أحياناً وعندها سنرى ثلاثة ملايين أردني يتهافتون للتسجيل على المنصة .