الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – في الآونة الأخيرة، ظهرت موجة من الغضب على كاهنين كرَّسا ذاتهما للربّ، وعرفا كيف يتخلَّيان عن “انزوائهما”،فانفتحا بشكل علنيّ على إخوة لهم من الدين الإسلاميّ، فاتحين أيديهما لضمِّهم إلى صدرهما. فأقدم أحدهما على قراءة الفاتحة مع صلاة الأبانا، بينما عمد الآخر إلى رفع الصلاة إلى الله من خلال ترنيمة “أنا الأمُّ الحزينة” في مأتم رجل من الدين الإسلاميّ.
مَن قال إنَّ الصلاة هي حكر على دين دون الآخر؟ ومن وضع قانونًا يجعل قصَّة قابيل وهابيل تتكرَّر في كلِّ مكان وزمان؟ ومن فرض أن يبقى إسحق وإسماعيل متخاصمين طوال الدهر، وهما من البدء توأمان؟ ومن منع الأخ الأكبر من الدخول إلى التنعُّم والفرح بعودة أخيه الضالّ إلى البيت الوالديّ؟
ألا تجمع الصلاة الإنسانَ بإلهه، والإنسانَ بأخيه الإنسان؟ فلمَ نجعل من صلواتنا مصدر اختلاف وخلاف؟ بل ونتجاسر ونجعلها نجاسة عندما تصدر من غير “صاحبها”! يا لتفاهة العقول الصغيرة وحقارتها! فهل وُضعت الصلوات لتقرِّب المسافات أم لتصنع شرخًا بين البشر؟
كفى. كفى كفرًا باسم الدين! فالله واحد، وعابدوه يجب أن يعبدوه بالروح والحقّ، أي بقلوب طاهرة وعقول صادقة ونوايا صافية. فمن يفرِّق في الصلاة يجعل الله أكثر من إله. وهذا هو الكفر!
ألم يوصي المسيح أتباعه بعيش المحبَّة على مثاله، دون تفرقة في الدين والعرق واللون؟ ألم يطلب النبيُّ محمَّد من مبايعيه أن “يراجعوا أهل الكتاب”؟ كيف أقبل الآخر المختلف عنّي؟ إن كنَّا في صلواتنا إلى الله الواحد نميِّز بين دين ودين، وبين طائفة وأخرى، أتُرى صلواتنا مقبولة لدى الله؟ وإن اختلف مفهوم الله بين دين وآخر، أيصير الله اثنين أو أكثر– لا سمح الله – لكلِّ دين إله؟ وبما أنَّ الله خالق الناس كلِّهم، أتُراه يفرِّق بين صلاة وصلاة، أو بين دين وآخر؟
عند أقلِّ احتكاك، تظهر النفوس الدنيئة على حقيقتها، بعدما تكون ادَّعت الأخوَّة الشاملة والعيش المشترك ونادت بهما. وبعدما تكون ناضلت من أجل حرّيَّة التفكير والتعبير تَراها تسقط عند أوَّل امتحان يعترضها…
هنيئًا لكما أيُّها الكاهنان لأنَّكما كسَّرتما الحواجز، وقرَّبتما المسافات، واقتديتما بمعلِّمكما بل سمعتما لوصيَّته، وصيَّة المحبَّة! هنيئًا لكما لأنَّكما على مثاله تلقَّيتما التعيير و”الاضطهاد” وكلام السوء من أجله ومن أجل عيش التضامن والتقارب والألفة! هنيئًا لكما لأنَّه، كما تخلَّى عنه أقرب المقرَّبين إليه، تخلَّى عنكما أقرب المقرَّبين إليكما! افرحا وابتهجا لأنَّكما اعتُبرتما أهلاً للإهانة على مثال ذاك الذي بذل ذاته عن كلِّ إنسان! هنيئًا لكما وهنيئًا لكلِّ من يقتدي بكما! فأنتما حقًّا مثال حيّ لكلِّ راغب في أن يصير إنسانًا قبل أيِّ شيء آخر!
بينما يتصارع اللاهوتيُّون وأصحاب الفتاوى ومعهم المتفلسفون حول صلوات مرفوعة إلى الله، يتسلَّل الودعاء والبسطاء وأصحاب القلوب الكبيرة إلى السماء…