الدكتورة رزان إبراهيم –
الأول نيوز – هو مقال مثير للجدل منشور حديثا في الجارديان، أضعه هنا بعد أن قمت بترجمته للعربية بتصرف واختصاره بعض الشيء.
يكشف المقال ولأول مرة – بالرجوع إلى سيرة كتبها تلميذ لسعيد- أن إدوارد سعيد كتب الشعر والرواية دون أن يذكر ذلك لأصدقائه. ويضيف أن سعيد ترك وراءه روايتين غير مكتملتين، وما لا يقل عن عشرين قصيدة.
جدير بالذكر أن صاحب هذه السيرة ويدعى برينان هو طالب سابق لدى سعيد، ويعمل الآن أستاذا للأدب المقارن في جامعة مينيسوتا، وأن ما كشفه كان بفضل وصوله -عن طريق عائلة سعيد- إلى مخطوطاته غير المنشورة.
يفسر برينان عزوف سعيد عن نشر الرواية والشعر بأن سعيد الراغب في تغيير العالم وجد أن هناك فشلا في مشروع الخيال وأن الرواية ليست أفضل وسيلة لأولئك الذين يسعون لإحداث هذا التغيير، فهناك تحديات كبرى يواجهها المؤلف لو أنه عمد إلى التدخل السياسي من خلال كتابة الروايات، لكن سعيد وفقا للمقال اختار إبقاء هذه الرؤية الشخصية المحرجة سرا إلى جانب مخطوطاته غير المنشورة.
ومما يذكره في هذا الشأن أن روائيين مشهورين ومقربين من سعيد كتبوا له رسائل يتوسلون إليه كي يكتب رواية. وهو ما لم يلق استجابة ظاهرة منه، مع أنه في الحقيقة حاول كتابة الروايات مرارا وتكرارا. الأمر الذي لا يعرفه عن سعيد سوى شخص أو شخصين.
أما عن طبيعة الروايتين اللتين يتحدث عنهما الكاتب، فهما سياسيتان وتحملان طابعا سيريا، وتدور أحداثهما في الشرق الأوسط. أما عن شعره، فيقول إنه غارق في العروبة، وأن بعض قصائده المكتوبة في الخمسينيات من القرن الماضي تعبر عن شعور واضح بمناهضة الاستعمار.
بعض من شعره يصفه برينان أنه شخصي للغاية ويقول: قصيدته المفضلة هي قصيدة جنسية ومخيفة للغاية أعتقد أنه كتبها عن علاقته المضطربة مع زوجته الأولى، وفيها كشف مفاجئ عن الشعور بالغربة والخوف من الشخص الذي كنت حميما معه.
ومما يكشفه برينان أن سعيد كان “مهووسًا تمامًا” بشعر جيرارد مانلي هوبكنز وكان يقرأ الشعر باستمرار لزوجته الثانية. ويعتقد أن الشعر كان ذاته السرية التي لم يسمح للآخرين برؤيتها.
والأهم من ذلك أن هذه الأعمال المبكرة غير المنشورة تُظهر أن سعيد لم يكن سياسيًا قبل حرب الأيام الستة،
ويضيف أن سعيد كتب من روايته الثانية خمسين صفحة، لكنه تخلى عنها لصالح كتابة مذكراته عندما تم تشخيص إصابته بسرطان الدم، ليظهر أكثر اقتناعًا بأن “المثقفين في النهاية أكثر أهمية من المؤلفين: “إنهم من يغيرون الأجندات ويتحدون السلطة”.
طبعا عني أنا شخصيا تستوقفني خلاصة برينان حول أسباب عزوف سعيد عن نشر ما كتب والتي ربطها بعدم اقتناعه بجدوى الرواية في إحداث التغيير المطلوب. بل وأتردد في قبولها لأن إدوارد سعيد كرس جزءا كبيرا من نقده كي يكشف الدور السياسي الكبير المهم الذي لعبته الرواية الغربية في الترويج للإمبريالية الأوروبية، وربما يكون عزوفه عن نشر محاولاته في كتابة الرواية والشعر له أسباب أخرى خاصة. علما أن الناقد الفذ العظيم قد لا يكون روائيا ناجحا. ولربما تكون عين الناقد هي ما منعته عن النشر.. أقول ربما!
(عن الجارديان)
