زيارة بابوية بعيون مسيحية مشرقية 

 
القس سامر عازر –

 

الأول نيوز – تحتلُّ زيارةُ قداسة الحبرِ الأعظم بابا الفاتيكان، البابا فرنسيس، إلى العراق أهميةً خاصةً في عيون كلِّ المسيحيين المشرقيين ومن كل العائلات الكنسية لما يتحلى به قداسته من معنى خاص ورمزية خاصة في العالم المسيحي، وكذلك لدور الكرسي الرسولي في العمل على الوحدة والحوار بين المسيحيين من جهة – ونذكر في هذا المجال التقارب اللوثري- الكاثوليكي في الذكرى الخمسمائة للإصلاح في العام 2017، ومن جهة أخرى الحوار والأخوة  الإنسانية بين المسيحيين والمسلمين، لا وبل الحوار بين كافة أتباع الأديان في شتى أقطار المعمورة.  
مما لا شك فيه أنَّ البشرية تَعبَت وسئمَت من الحروب الدينية والطائفية وتبعاتها المدمرة على الإنسان وعلى البلدن. وإن كان جوهر الأديان نقياً طاهراً لكن لم يخلو عبر العصور والأزمان وحتى وقتنا الحاضر من استغلاله واستخدامه أداةً لتنفيذ مآرب وأهداف سياسية واقتصادية  واستعمارية وسلطوية، مما تسبب في دمار كبير لحق بأجزاء كبيرة من الأسرة البشرية في أقطار مختلفة من عالمنا. ولربما حان الوقت لندخل عصراً جديداً بشراكة جديدة بعيداً عن الصراعات الطائفية والعرقية والدينية والإثنية، ونبني مجتمعات إنسانية تعددية مدنية تقوم على أساس احترام كرامة الإنسان وحريته وحقوقه بغض النظر عن لونه أو دينه أو عرقه أو جنسه.  
ولذلك لربما تصب زيارة قداسة الحبر الأعظم لمدة أربعة أيام من عصر الجمعة 5/3/2021 إلى العراق الجريح والمثخن بالآلام والجراح في توجيه الأنظار نحو المستقبل المبني على الشراكة الحضارية الإسلامية-المسيحية لإعادة بناء الأوطان معاً بروح الأخوة الإنسانية التي تَجمعنا في أبي الأنبياء، خليل الله، أبونا ابراهيم الذي انطلق من أور الكلدانية في جنوب العراق وهي اليوم “تل المقير”، ملبياً بذلك نداء السماء بروح الإيمان بالله الواحد الأحد.  
وتأتي كذلك أهمية تلك الزيارة في تعزيز الوجود العربي المسيحي التاريخي في الشرق الذي هو جزء لا يتجزأ من النسيج العربي والذي أسهم في بناء الحضارة العربية الإسلامية-المسيحية، وما انفك يوماً من القيام بواجباته القومية والوطنية والإنسانية من خلال كافة مؤسساته الروحية والتربوية والتعليمية والثقافية والخدماتية والإنسانية والطبية، وذلك لأنه جزء من هذا المشرق العربي، ويعمل معاً من أجل الآخر ويسهم في البناء الحضاري والتنموي والروحي من أجل المحافظة على روحانية الشرق كما أرداها الله سبحانه وتعالى، ولتصدير القيم الروحية والإيمانية في المحبة والإخاء والتعاون والتضامن من أرضنا المقدسة والتي رسمتها خارطة مادبا الفسيفسائية في كنيسة القديس جيورجيوس، حيث تشمل كلاً من مصر، فلسطين، الأردن، سوريا، لبنان والعراق. 
لقد تعرض العراق بشكل خاص إلى التنكيل بالمسيحيين كما بمكوناتٍ أخرى من جراء خوارج العصر الذين استباحوا أعراض المسيحيين العراقيين وأموالهم وممتلكاتهم وكنائسهم وسفكوا دمائهم على مذابح شهواتهم غير آبهين بما يمثل هؤلاء من تاريخ وحضارة وإنسانية وروحانية، فَشُّرِدَ وهُجِّرَ الكثيرون حتى أصبح لا يتجاوز عدد المسيحيين العراقيين اليوم أكثر من 400000 ألف من أصل 1.5 مسيحي عراقي قبل غزو العراق في العام 2003.
لمثل هؤلاء تأتي أهمية هذه الزيارة في تقوية الروح المعنوية والإيمانية بضرورة تجاوز محنة  الماضي، والتحلي بروح المصالحة، والعمل سوية مع كافة أبناء العراق الشقيق لبناء العراق الجديد، المبني على المساواة والعدل وحقوق الإنسان. ولربما زياته هذه تشجيع أيضاً الكثيرين ممن تهجروا للعودة لأعمار هذا الشرق العظيم. 
عنوان زيارة قداسة البابا هي ” كُلُّكُم أُخوة”، فماذا أعظم من أخوَّتِنا الإسلامية-المسيحية التي تشكِّلُ حجرَ الأساسِ في بناءِ مشرقنا العربي العظيم.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المخدرات خربت عقول أبنائنا

الاول نيوز – شفيق عبیدات –   كان يوما مفجعا ومروعاً وحزينا يوم أصبحنا على …