الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – بعد حجر دام سنة كاملة، بدأ اليأس يتغلغل إلى نفوس الكثيرين…
لم أتوقَّع يومًا أن ألتقي بفتاة ضريرة في نادٍ للرياضة تقف إلى جانب مجموعة من الشبَّان والشابّات تقول لهم، وهم منذهلون: هذه طابة لكرة السلَّة ولونها برتقاليّ. أمّا هذه فهي طابة لكرة القدم ولونها أبيض وأسود. وهذه الصغيرة طابة لكرة المضرب (التنس) ولونها أخضر. وهذه الصغيرة جدًّا طابة لكرة مضرب الجدول (البينغ بونغ) وهي بيضاء اللون. أمّا هذه الطابة الثقيلة فهي خاصّة بلعبة البولينغ ويمكن أن تكون بألوان متعدِّدة.
كما إنَّني ما كنتُ أتوقَّع يومًا أن أرى فتيات فقدن حاسَّة السمع وبالتالي النطق، يستطعن أن يرقصن على أنغام أغنية من الأغاني. ولكنَّني عندما رأيت أغنية مصوَّرة وتلك الفتيات يرقصن على أنغامها أخذتني الدهشة كلَّ مأخذ، وقلتُ عندها: لا شيء مستحيل! وإليك قصَّة تلك الأغنية.
التقى ملحِّن مشهور بإحدى المطربات المعروفات فقال لها:
- أرسلتْ لكِ إحدى تلميذاتي هذه الوردة، فهي معجبة بك كثيرًا، وإن كانت لا تستطيع أن تسمع صوتك الجميل في الغناء. يكفي أنَّك قمتِ في إحدى أغنياتك المصوَّرة بالتكلُّم بلغة الإشارة حتَّى يفهم الكلمات من فقد حاسَّة السمع.
- هذا لطف منها. أخبرتَني مرَّة أنَّك تعلِّم الفتيات الفاقدات السمع لغة الإشارة، فما رأيك لو قدَّمنا لتلميذاتك أغنية أخرى خاصَّة لهنَّ،وأصوِّرها بلغة الإشارة كي يُدركن معناها؟
- هي فكرة رائعة. فلنباشرِ العمل!…
وبعد نجاح الأغنية، عمدت الفتيات مع أستاذهنَّ الملحِّن على التمرين بحسب الإيقاع الذي سيَّرهنَّ عليه، وبحسب رجرجة المسرح الخشبيّ بسبب الصوت العالي للأغنية،فأنجزن عملاً مميَّزًا. وقام المخرج بتصوير رقصتهنَّ ومن ثمَّ دمج العملين معًا. وعند الانتهاء من التصوير والمونتاج، زارت الفتيات المطربة مع المخرج، وقدَّمن العمل لها. فكانت مفاجأة كبيرة لها، ولم تتمالك نفسها عن البكاء من شدَّة التأثُّر. وإذ أعجبت بالعمل إعجابًا فائقًاطلبت تسويقه. فنال شهرة واسعة، وحاز على نسبة كبيرة من المشاهدة. وحقَّق ألبوم المطربة نجاحًا باهرًا بسبب تلك الأغنية. أمّا المطربة فقدَّمت الأرباح التي جنتها من ذلك الألبوم لمؤسَّسة البكم والصمّ التي تُعنى بتنشئة تلك الفتيات.
قوَّة الإرادة تجعل المستحيل ممكنًا. كلُّنا سمعنا عن الشابّ نيكولاس (نيك) فيوتتش فاقد اليدين والرجلين الذي تحدَّى الصعوبات الكثيرة وأسَّس مؤسَّسته الخاصَّة “الحياة بدون أطراف” وهو بعمر السابعة عشرة. وراح يتنقَّل في أنحاء العالم متكلِّمًا أمام جمهور كبير من الشبيبة يدفعهم إلى التفوُّق والنجاح وعدم الإحباط…
ومن منَّا لا يذكر هيلين كيلر الفتاة التي فقدت حاسَّة النظر والسمع وهي لم تتخطَّ السنتين من عمرها، واستطاعت معلِّمتها آن سوليفان أن تعلِّمها الكتابة والقراءة حتَّى أضحت أديبة لامعة وكاتبة مشهورة ومحاضرة من الطراز الأوَّل…
ومن منَّا لا يذكر طه حسين الأديب الضرير الذي أصبح عميدًا لكلّيَّة الآداب ثمَّ تبوَّأ منصب وزير للمعارف في مصر؟
أشخاص كثيرون أصحَّاء الجسم والعقل حطَّموا حياتهم بسبب يأس قاتل، بينما أصيب آخرون بإعاقة أو أكثر وأبدعوا في مجالات شتَّى.
هيّا، لننفض عنَّا غبار الكسل ولنستعِدِ النشاط والعمل!