” ٢٤ آذار ” على طاولة الحوار…والهيكل الكرتوني للاحزاب!

جميل النمري –

الأول نيوز – نعم .. سجل حراك “٢٤ آذار” فشلا من حيث حجم الحشد في الشوارع والساحات .. لكنه بالمقابل سجل نجاحا سياسيا واعلاميا فائقا حتى قبل ان يبدأ وهو صنع محطة تحول فارقة يجب ملاحظتها. وانا أراه غدا – شئنا ام أبينا – الممثل الحقيقي للمعارضة والناطق بلسان حالة السخط والاحباط وعدم الرضى، وأراه يملأ الفراغ الذي لم يملأه الهيكل الكرتوني للاحزاب السياسية بمختلف تلاوينها بما في ذلك جبهة العمل الاسلامي. والأخيرة ليست بالطبع هيكلا كرتونيا وقد انفردت لوقت طويل بموقع المعارضة لكن هذا الموقع ينحسر بنسبة كبيرة لصالح الحراك الذي توحد سياسيا تحت عنوان 24 آذار وعمّد نفسه بالفعالية التي تمت الدعوة لها في عدة محافظات في وقت واحد من قيادة موحدة وبشعارات موحدة وبرنامج سياسي. نقطة التحول التي اتحدث عنها ها هي: تحول الحراك من مجموعات ظرفية مشتتة الى حركة سياسية شاملة ومنسجمة وتحول القيادات المحلية للبؤر الساخنة عشائريا ومناطقيا الى قيادات سياسية متضامنة ومؤثرة.
صعود الحراك بأسلوبه ولغته الى هذا الموقع المتصدر سياسيا هو النتيجة الأخيرة لفشل مشروع التنمية السياسية والحزبية وفشل دعاة الاصلاح – وانا منهم – بسياسة الاشتباك الايجابي والتعاون وقبول اي درجة من التدرج تضعنا على السكة الصحيحة وهذا واضح بعدم التقدم ولو خطوة واحدة على مسار الاصلاح السياسي فأكتسب الخطاب الحراكي القوة والمصداقية بالشعارات الصريحة المباشرة والجذرية التي تخاطب رأس الدولة بدون لف ودوران.
وكان يمكن اخذ المؤشرات عن المزاج المتحول في الساحة المحلية قبل ٢٤ آذار بفترة طويلة من حجم المتابعة والتأثير الواسع على وسائل التواصل لمنصات من اطلق عليهم اسم “المعارضة الخارجية”.
يصعب تقدير العدد الذي كان ممكنا للمشاركين ويصعب تقدير دور كل عامل في خفض حجم المشاركة. هناك ضخامة الاستنفار الأمني والطقس وظروف الوباء التي اعطت مبررا اضافيا قويا للتعبئة ضد التظاهر. لكن المنع والاعتقال لم يكن سيئا للحراكيين مع تواضع الحشد فقد ساهم في تغذية الصدى السياسي ل “٢٤ آذار ” على الفضاء الالكتروني وكأن الوقفة الأكبر كانت هناك. وكان يمكن ملاحظة تناغم محتوى الخطاب في مختلف المنابر على وسائل التواصل وفي الميدان، وهو ثمرة حوارات دارت كما يبدو في اوساط الحراكات على مدار سنوات أنضجت توافقا وتناغما ظهر في الأداء وفي الشعارات مثل الحرص على السلمية والبعد عن الغوغائية والشغب والتصرف السياسي الواعي والمطالب الوطنية المحددة من الاصلاح الدستوري الى الحكومات المنتخبة.
في التقييم سيكون خطأ فادحا اعتبار يوم ٢٤ آذار تحديا أمنيا طارئا تمت السيطرة عليه بنجاح وأصبح وراءنا! هو في الواقع اصبح أمامنا وشرحت ما اعنيه في مقدمة المقال. ثم انه ما عاد جائزا دفن الرأس بالرمال. الاردنيون ما عادوا يرون اي وزن وقيمة لكل الجسم السياسي التمثيلي القائم نوابا واحزابا وشخصيات عامّة. هم يرون فقط السلطة وحولها الطفيليات نفسها تواصل التداور على المكاسب والمناصب والامتيازات بينما يضيق هامش الحياة على الكادحين في القطاعين العام والخاص على السواء ومعهم جيوش العاطلين عن العمل من الأجيال الجديدة.
ولذلك – يمكن لاستطلاعات رأي مستقلة ان تخبرنا الحقيقة – كلام الحراك ومنطق الحراك ومطالب الحراك هو اقرب اليوم لعقول وقلوب الاردنيين. وما يجدر فعله اليوم أكثر من الحوار الجديد المزعوم حول قوانين الأحزاب والانتخاب هو الإصغاء بتواضع وانفتاح لمن يصدقهم الناس ووضعه على طاولة الحوار الداخلي في دوائر القرار.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

حين يكتب رجال الأمن سطور السيادة بالدم

الدكتور أحمد الطهاروة – الأول نيوز – في كل مرة يواجه فيها الأردن خطرًا داخليًا …