المهندسة قمر النابلسي –
الأول نيوز – قصة هذا المثل عن رجل ضاقت به الحال فقرر أن يترك بيته وأهله ويهيم في أرض الله طلباً للرزق ,سار طويلاً حتى وصل إلى بيت أحد الشيوخ الأجواد الذي رحب به وأكرمه ,وبعد أن عرف قصته, عرض عليه الشيخ أن يعمل عنده , عمل بجد وأمانة لعدة سنوات.
اشتاق الرجل لأهله وبيته وتاقت نفسه إلى بلاده ,فأخبر الشيخ برغبته في العودة إلى بلده , عز على الشيخ فراقه ,كافأه وقدم له ثلاثة من الإبل وودعه متمنياً له السلامة ,وبعد أن قطع الرجل مسافة في الصحراء القاحلة رأى شيخاً لا يملك إلا خيمة منصوبة تحت أشعة الشمس الحارقة , فسأل الرجل ماذا تفعل وحدك في هذه الصحراء ؟ قال الرجل: أعمل بالتجارة ,سأله الرجل وماذا تبيع؟!
قال الشيخ :أبيع النصائح والنصيحة بجمل , ولأن صاحبنا يعرف قيمة النصيحة قرر أن يشتري نصيحة بجمل, اشترى الرجل النصيحة الأولى, ثم أتبعها بثانية وثالثة , وهكذا دفع الرجل جماله الثلاثة ثمناً للنصائح وغادر خائفاً أن يكون تعّجل وأضاع تعب سنينه ,و خلال مسيرة العودة واجهت الرجل مواقف صعبة كادت أن تودي بحياته لولا نصائح الشيخ الحكيم التي أنقذته بل وجعلته يعود لأهله بالمال والإبل.
يعتقد الكثير وخاصة مع هيمنة مواقع التواصل الإجتماعي على حياتنا, وكثرة المختبئين خلف الشاشات أنهم يملكون الحق بتوجيه النصح للآخرين من دون أن يُطلب منهم ذلك ,وحتى من دون جمل , بل وتوجيه النقد والنقد اللاذع بحجة أنهم ينطقون بالحق ويعرفون الصواب ,يعطون أنفسهم الحق بتقييم شكل الآخر وآرائه وأفكاره وحتى طريقة لباسه .
الفرق كبير بين النصح والنقد الجارح على الملأ ,والأهم من أنت ؟ ما الذي تمتلكه من مقومات ومن معرفة وعلم تؤهلك لانتقاد الآخرين وفرض آرائك وافكارك وقناعاتك عليهم باعتبارها الصواب والقول الفصل, معتبراً ذلك من باب إسداء النصيحة ؟
شتّان بين النصح والنقد واختراق الخصوصية , من هو الشخص الذي يحق له أن يقدم النصيحة وكيف يقدمها ولمن يقدمها ؟؟
يؤكد علماء النفس أن الشخص الذي يلجأ إلى انتقاد الآخرين والتقليل من شأنهم ويعمل على إظهار سلبيات غير حقيقية, مدّعياّ أنه يقدم النصيحة, أو أنه يعبر عن وجهة نظره , غالباً هو شخص يشعر بالنقص , والتدني في تقدير الذات, واضطرابات في الشخصية , احتقان ونفسية متوترة.
يقال أن هارون الرشيد كان يطوف بالبيت إذ عرض له رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إني أريد أن أكلمك بكلام فيه غلظة فاحتمله لي، فقال: لا ولا كرامة؛ قد بعث الله من هو خيرٌ منك إلى من هو شر مني فأمره أن يقول قوْلاً لَيِّنا.
فإذا أردت أن تعبر عن وجهة نظرك المختلفة عما يطرحه الآخر, أو أن تقدم نصيحة – هذا إذا كان يحق لك تقديمها – يجب أن يكون بأسلوب راق مهذب ,فرّق بين الموقف وصاحبه, والرأي وقائله,انصح ولا تفضح , الوعظ في السّر نصيحة وفي الملأ توبيخ وفضيحة .