سحر عبدالله – لندن * –
(خصت الكاتبة السورية المقيمة في لندن الزميلة سحر عبدالله “الأول نيوز” بعرض كتاب مهم صدر في العام الماضي)
الأول نيوز – صدر كتاب الصحفية المعروفة إيزابيل ولكرسون في العام الماضي عن دار راندوم هاوس في نيويورك، بعنوانCaste, the origins of our discontents
الطبقية[1]:جذور سخطنا. فيما يأتي عرض مكثف للكتاب، بنسخته الإنكليزية( لايزال قيد الترجمة عبر دار منطاد للتوزيع والنشر في الكويت).
يتقصى الكتاب تاريخ العبودية والتمييز العنصري بسبب اللون منذ بدايات أمريكا حين كانت ماتزال مستعمرة، ولا سيما في الجنوب، وتحديداً ولاية فيرجينيا وحتى وصول ترامب إلى البيت الأبيض، وما رافقه من انتعاش لخطاب عنصري تعدّى اللون ليطال الجنس والعرق والمعتقدات.
في بحثها الشائك والحساس، تتخذ الكاتبة والصحفية المعروفة،بلدين معروفين بممارستهما للتمييز العنصري والطبقي، هما الهند وألمانيا النازية،كنموذجين للمقارنة من أجل فهم نظام الطبقية في أمريكا. في نهجها ذاك، تظهر لنا الكاتبة، عبر مقارنات اجتماعية وسلوكية واقتصادية وقانونية شاملة، كيف استفاد النازيون من تاريخ العنصرية الأمريكية البيضاء ضدالعبيد الأفارقة، وغيرهم من الملونين، في بناء أقوى ديموقراطية في العالم وقوننة العبودية على مدى أربعة قرون، وكيف أن بلداً، بقيمة الهند التاريخية والحضارية، يتبنى، على مدى ألفيات عديدة، عنصرية لن يعرفها من هو خارجها.
يُفتتح الكتاب الضخم، والمؤلف من سبعة أجزاء موزعة على واحد وثلاثين فصلاً،بقصة أسمتها الكاتبة ب”الرجل في الزحام”،دلالةً على الاختلاف وثمن أن يكون الفرد خارجاً على القطيع في ألمانيا النازية، وضحيةً لقوانين عنصرية تحرّم زواج الألماني ذي العرق الآري بغير امرأة آرية. وتستعير ولكرسون قصة المواد السامة المدفونة في سيبيرا منذ أيام الحرب العالمية الثانية والتي انبعثت بمجرد ارتفاع درجات الحرارة، في صيف عام 2016، حين ذاب الجليد عن قمة الجبل، وبدأت بنفث السموم الفتاكة، مودية بحياة الآلاف من الغزلان وغيرها من الحيوانات إضافة إلى ضحاياها من البشر،ومنهم طفل في الثانية عشر من عمره. تشبّه الكاتبة انبعاث سموم الانثراكس في سيبيريا بانبعاث سموم العنصرية في أمريكا القرن الواحد والعشرين، لأنها كانت مدفونة فحسب ولم يتم تفكيكيها.
في الجزء الثاني، المعنون ب “البناء التعسفي للانقسامات البشرية”، تعود الكاتبة بالزمن للوراء، متعقبة بدايات العبودية إلى أوائل القرن السادس عشر، مع سفن العبيد الآتية من أفريقيا، والتي شكلت البنية التحتية المتينة للاستثمار في العالم الجديد، تحديداً الجنوب، من زراعة التبغ والقطن وقصب السكر. حيث أظهر الأفارقة قوة بدنية واضحة وانضباطاً ومقاومة للأمراض فاقت حتى السكان الأصليين، الأمر الذي انقلب وبالاً عليهم، عبر استعبادهم بشروط غير إنسانية طيلة عقود من الزمن ، ستؤسس لحرب أهلية انتهت بإعلان الولايات المتحدة. إلا أن حق التصويت للسود استغرق مئة عام بعد إلغاء العبودية حتى يحصلوا عليه، وتطلب خوضهم حرباً لصالح من استعبدوهم في المقام الأول.
في أحد فصول الجزء الثاني، والمعنون بـ “إثم الصمت”، توثق الكاتبة قصصاً، مازال الكثير من ضحاياها وشهودها أحياء، عن حفلات الإعدام من دون محاكمة وحرق المتهمين وهم أحياء، بعد تقييدهم إلى الأشجار. تلك الهستيريا أسست لما أطلق عليه “السادية الجمعية” في الكثير من بلدات الولايات الجنوبية. حيث اعتاد الكثير من سكانها على تبادل بطاقات معايدة تحمل أسماء ضحاياهم أو خاصة بمناسبات وأماكن عمليات الإعدام التي يتباهون بالقيام بها!
أما الجزء الثالث، فقد تناولت الكاتبة فيه ركائز مفهوم التمييز الطبقي الثمانية وهي بالتسلسل: الإرادة الإلهية وقانون الطبيعة،التوريث، التحكم في الزواج والتزاوج ، النقاء مقابل التلوث،التراتبية الوظيفية، ، التجريد من الإنسانية،تعزيز الإرهاب والقسوة بوصفهما وسيلة للسيطرة،التفوق مقابل النقص.
ولكل ركيزة قصص وأمثلة من الهند أو ألمانيا أو أمريكا، يبدو معظمها وكأنه آتٍ من عصور ولت.فمثلاً، فيما يتعلق بالإرادة الإلهية وقوانين الطبيعة، يعتقد الكثير من الدالتيس،وهم الطبقة الدنيا من الهنود، بأن كارما حياتهم الحالية هي أن يكونوا أدنى قيمة ومستوى من أسيادهم البراهميين. ولا يمكنهم فعل شيء حيال ذلك لتغيير المفردة، أي الدالتيس، التي تسبغ وجودهم، ومعناها “من لا يجب لمسهم”.
أما عن الركيزة الثانية، والتي تشدد على الوراثة، ولا سيماما يتعلق بعادات الارتباط والزواج؛ فقد أسست لمنع الاختلاط وكذلك منع الزواج بين الأعراق المختلفة؛ أسس نظام التمييز في أمريكا الحديثة.
كانت عقوبة الجلد العلني معتمدة طوال عقود ضد البيض في حال إهانتهم لأنفسهم أو لله وذلك بممارسة الجنس مع سوداء بغير دافع الاغتصاب. وهنا لا يستطيع الإنسان فهم أو تقبل كيف جرى تحريم الزواج بين البيض والسود، لأنه قد يتيح المساواة، وغُضّ النظر عن جريمة الاغتصاب، لأنها تضمن سيادة السيد على ما يملك، ومن ضمنه النساء وأرحامهن.
أما عن الركيزة الرابعة، المتعلقة بالنقاء مقابل التلويث، فقد شمل الأمر حتى الكتاب المقدس (كتاب للسود وآخر للبيض، ممنوع أن تلمسه أيادي السود).
في أمريكا القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، لم يكن ممكناً وضع جثة شخص أسود قرب جثة شخص أبيض. وبقيت المسابح ممنوعة على السود حتى منتصف الستينيات في القرن العشرين.
وفي الجزء الرابع، وهو بعنوان “مخالب التمييز الطبقي”، اعتمدت الكاتبة على العديد من القصص والحكايات الموثقة عن تجذر البنية القائمة على التمييز العنصري، ومنها حكاية بحث الدكتوراه الذي أجراه باحث أسود، اسمه أليسون ديفيس، حيث ناقش الكثير من زملائه في الجامعة مدى صوابية تدريسه للبيض وكذلك إمكانية تناول ديفيس الطعام في مطعم الجامعة.
تضمن الجزء الخامس، المعنون بـ”عواقب نظام الطبقية”،عدة فصول بعناوين لافتة، مثل “نشوة الكراهية” للفصل التاسع عشر، و”النرجسية الحتمية للطبقية”للفصل العشرين. وفي هذا الجزء،تقتبس ولكرسون من إريك فروم جملة دالة عن الإيمان بالجماعة حد التماهي المطلق:”الشخص المؤمن بهيمنة جماعته يتملكه شعور البهجة كمن يتربع على قمة العالم، بينما هو في الواقع يعيش حالة من التضخم الذاتي”.وهذا يؤدي إلى انحراف شديد في قدرته على التفكير والحكم. هو والجماعة فوق التقييم وكل شيء خارجهما، أدنى. وهنا قد يكمن الخوف في عدم قدرة الفرد (من داخل الجماعة) على الارتقاء إلى مستوى المثالية المبنية على اليقين بالتفرد ذاته“.
جاء الجزء السادس بعنوان”رد فعل عنيف”، وفيه ترى الكاتبة أن وصول ترامب إلى البيت الأبيض هو تجسيد واقعي لنظام فعال في البنية الأمريكية، وفرصة أظهرت كل ثمار العنصرية التي لم تمت يوماً، بعد اثني عشر جيلاً من إلغاء العبودية قانوناً. ولعل إحدى الدلالات الفاقعة هنا كانت عبارة ترامب نفسه:”أتذكر ذاك الزمن الذي عرف فيه كلُ شخص مكانه”، بتلميح وقح إلى علاقة السيد والعبد . نجاح ترامب في الانتخابات تزامن مع عنف غير مسبوق في ولايات معروفة تاريخياً بتعصبها. وعبر مواجهات مسلحة بين البيض المناهضين لإزالة النصب التذكارية لتجار العبيد ورموز الاستعباد، من أمثال جيفرسون ديفيس وروبرت لي، أودت بحياة الكثير من السلميين سوداً وبيضاً. وجد الأمريكيون أنفسهم في تحدًّ أمام السؤال الذي طرحه الباحث المختص في علم التمييز الطبقي تايلور:” إذا أعطيت الناس الفرصة للاختيار بين الديمقراطية وسيادة البيض، كم سيكون عدد من يختار الخيار الثاني؟” أما عن الثمن الذي يدفعه الأمريكيون مقابل نظام الطبقات،فيقول تارتاكوف، وهو عالم أمريكي متخصص بدراسات التمييز:”هذا البلد الذي بنى حضارته عبر تجريد الآخرين من إنسانيتهم. يحتاج الآن إلى إيجاد إنسانيته الخاصة”.
اختارت الكاتبة للجزء السابع والأخير من كتابها، عنوان”الصحوة”، معتمدة على قصة الفيزيائي الألماني الأشهر آينشتاين، الهارب من النازية العنصرية واللاجئ إلى بلد يمارس عنصريته علناً ضد مواطنية السود. يقول آينشتاين “الفصل بين الأجناس ليس مرضاً في الناس الملونين بل في البيض. لا أنوي أن أكون هادئاً حيال ذلك”، بهذه الكلمات خاطب آينشتاين سنة 1946 الطلاب المتخرجين حديثاً من جامعة لنكولن في بنسلفانيا، والمعروفة تاريخياً بوصفها جامعة للسود. وتقتبس الكاتبة أيضاً مما كتبته المنظّرة السياسية والفيلسوفة اليهودية حنة أرندت، عن تفاهة الشر، حين نبهت لضرورة الاستفادة من تجربة ألمانيا النازية وقدرة البشر على تفكيك نظم مشينة كنظام الرايخ: “لتخيل نهاية للتمييز الطبقي في أمريكا، نحن بحاجة فقط إلى النظر إلى تاريخ ألمانيا”.
هذا كتاب توثيقي مكتوب بحرفية وأكاديمية ينحني لها قارئ هذا العصر احتراماً، لكثافة المادة الخام المستخدمة فيه، عبر مئات المراجع، من التاريخ القديم والمعاصر، وللقدرة على الحيادية في رواية سيرة ألم اللون الأسود حصراً. كتاب فيه الكثير من العمق والجدية لرد الجميل، ولو قليلاً، للقوة العاملة السوداء التي بنت أمريكا بالدم، لتقوم هذهبحكم العالم الآن.
المشهد السياسي الذي أوصل أوباما للبيت الأبيض،كما أوصل كولن باول، وكونداليزا رايس لمراكز القوة عبر مناصب ذات ثقل محلي وعالمي أسست له أربعة عقود من الاستعباد وحرب أهلية واغتيال لنكولن الذي ألغى العبودية واغتيال رمز مؤسس الحركات المدنية في الستينات مارتن لوثر كينغ و الذي ناضل على مدى سنوات من أجل حق السود في التصويت وركوب الباصات.
بكتابها الجريء تنكأ ولكرسون دمامل لم تشف بعد كل هذا الزمن، رافعة إلى الضوء صورة الأشعة السينية لأمريكا اليوم؛لترينا نظاماً ينبغي تفكيكه!
- كاتبة سورية مقيمة في المملكة المتحدة.
رابط صفحة الكاتبة
https://www.isabelwilkerson.com/
ترجمة مفردة caste
وهي العنوان الأصلي للكتاب حسب قاموس المورد لمنير البعلبكي: نظام الطوائف الاجتماعية القائم على التمييز الطبقي القائم على الثروة أو المنزلة، إلا أني ارتأيت استخدام مفردة الطبقية أو نظام التمييز الطبقي في العنوان وفي أمكنة عدة من المقال لأن موضوع الكتاب الأساسي تناول تاريخ التمييز والفصل العنصريين بين البيض والسود في أمريكا عبر 400 عام.[1].
