الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – سقط القناع وبانت حقائق كثيرة مستورة، فصدق الذي قال: “ما من مستور إلاَّ سيُعلن ويُعلم”.
سقط القناع عن وجه دول عظمى أرهبت العالم كلَّه بعظمتها وقدرتها على السيطرة، إذ بدت ضعيفة، هزيلة، خائفة، أمام جائحة ضربت العالم كلَّه، أمام جرثومة لا تُرى حتَّى بالمجهر العاديّ.
سقط القناع عن وجه سياسيّين كثيرين في العالم ادَّعوا النزاهة وخدمة الوطن فإذا هم لصوص، يجنون أموالاً طائلة بطرق غير شريفة بل غير مشرِّفة، فيأتي إلى بالي مثَلٌ لطالما ردَّده صديق لي: “ما أعجب الزانية عندما تتكلَّم عن الشرف!”
سقط القناع عن وجه مدراء محترمين يُعتبرون مخلصين في أعمالهم، ومجتهدين في وظائفهم، فإذا هم يعملون ساعات إضافيَّة لإخفاء الشبهة عنهم أنَّهم سارقون محترفون.
سقط القناع عن وجه مشاهير كثيرين بدوا سعداء في حياتهم وأمام العالم أجمع وإذا هم يُقدمون على الانتحار هربًا من اليأس والحزن والوحدةواللامعنى.
سقط القناع عن وجوه أزواج لا يُحصون ولا يُعدُّون، يحسدهم الناس على سعادتهم وتفاهمهم وإذا هم يعيشون الجحيم معًا فيُقدمون على الطلاق لطوي صفحة سوداء من حياتهم.
سقط القناع عن وجه “زير نساء” مشهور أعلن أنَّه مقبل على الزواج، على الزواج أخيرًا، ولكن من شابٍّ أخفى علاقته به مدَّة عشر سنوات خوفًا من ردَّة فعل أهله، ومن ردَّة فعل المعجبين، بل المعجبات به.
ويا ليت القناع يسقط عن وجوه كثيرة،قناعَ الكذب والاحتيال والغشّ والتملُّق، ولكنَّها تخاف ممَّن هم حولها وممَّا قد يفعلونه بها، فتحافظ على مكنونات قلبها وتعيش عمرها كلَّه مقهورة، تعيسة تتمنَّى الموت ألف مرَّة في اليوم والموت يهرب منها…
فكم من بريء يقبع في السجن يقاسي العقوبة مكان مجرم ما زال يرتع في الدنيا حرًّا طليقًا! كم من امرأة بائسة أُجبرت على الزواج من رجل لا تحبُّه، أو يعاملها بطريقة وحشيَّة، أو يتَّهمها اتّهامات باطلة، فقط إرضاء لإرادة أهلها وصونًا “لشرفها”! كم من طفل أُخرج من مدرسته ليتسوَّل أو ليعمل باكرًا لكي يتمتَّع والده أو وليُّ أمره بما يجنيه من دراهم قليلة!… أما حان أن يسقط القناع عن وجههم؟
يعيش العالم دومًا في صراع بين ما هو مستور وما هو مُعلن، بين ما يعيشه وما يُظهره، بين ما هو في الحقيقة وما يُعلنه للآخرين، بين ما يُضمر وما يكشِف. وإن قال لك قائل إنَّه متصالح مع ذاته، فما قوله ذلك إلاَّ إخفاء لحقيقة صراع داخليّ يمرُّ به. فلكلٍّ منَّا حكايا يخفيها تحت قناع!
في عصر أضيف قناع جديد (الكمّامة) وأصبح ضرورة ملحَّة تقي الإنسان من عدوى الآخرين له، بل قيدًا لا يكبِّل فقط تنفُّسنا، بل يكبِّل أيضًا حرّيَّتنا، وتصرُّفاتنا وحياتنا، بتنا ننتظر الوقت الذي يُفرَج عن وجوهنا وتظهر من جديد ضحكاتنا وبسماتنا وكلماتنا الخفيَّة.
وسقط القناع أخيرًا! ففي 18 نيسان الجاري بتنا من أوائل الناس الذين نزعوا القناع فعلاً عن وجوههم وأصبحوا أحرارًا في لبسه أو خلعه في الهواء الطلق. عادت الحياة بالنسبة إلينا إلى مسارها الطبيعيّ بعد سنة وشهرين من “القمع” والحجر والانزواء، فشعرنا بطعم الراحة بل الحرّيَّة من جديد.
فمتى يسقط هذا القناع عن وجه العالم كلِّه؟