كتاب «الكيانات الوظيفية» : محاولة جريئة لتحليل واقعنا السياسي

· د. سليمان صويص –

 

الأول نيوز – لماذا تغرق الدول العربية في حالة التبعية للقوى الأجنبية ؟ لماذا أصبحت الديمقراطية ودعوات الإصلاح السياسي في هذه الدول، بخاصة في دول «تقسيمات سايكس ـ بيكو» كالسراب، تلهث ورائه القوى السياسية والشعوب لدرجة اليأس من الوصول إليه ؟ لماذا لم تتحقق أية تنمية حقيقية مستدامة في تلك الدول على مدى قرن من الزمن ؟ لماذا هذا الفشل الذريع في تحرير فلسطين الذي قاد إلى هزائم عسكرية وسياسية لا يبدو أن لها قاع ؟ لماذا تراوح أحزاب المعارضة في مكانها، ولماذا هذا التصحّر في الحياة السياسية في أقطارنا ؟ بإختصار، ما هو السر وراء هذه الآفاق المسدودة على جميع المستويات ؟

هذه بضعة أسئلة جوهرية، بل مصيرية، كثيراً ما طرحها العديد من المشتغلين بالشأن العام، يحاول الكتاب الذي صدر حديثاً، المكوّن من جزئين، «الكيانات الوظيفية : حدود الممارسة السياسية في المنطقة العربية ما بعد الإستعمار»، من تأليف د.هشام البستاني، أن يقدّم إجابات جذرية عليها، محلّلا من خلاله قضايا كثيرة مرتبطة ﺑ «الأزمة التاريخية في مواجهة السلطة»، كما يشير عنوان فرعي للجزء الثاني من الكتاب الذي يستعير أطروحات ماركسية وغير ماركسية لإسناد منظوره للأزمة.

نقطة البداية في تفسير البستاني ـ كما يشير عنوان الكتاب ـ هو أننا إزاء «كيانات وظيفية»، جاء بها الإستعمار من أجل أهداف محددة تخدم استراتيجيته وسياسته ومصالحه. وهو هنا، في المقدمة، يحرص على أن يوضّح الفرق بين «الدولة» و «الكيان الوظيفي». لذلك، وللأهمية، سنقتبس هنا أفكار المؤلف.

يُعرّف ماكس فيبر ـ عالم الإجتماع والمؤرخ والقانوني والسياسي الألماني ـ الدولة استناداً إلى شرط أساسي : قدرتها على احتكار ممارسة العنف، أو القوة القهرية، في حدود اقليم سياسي معيّن، واحتكار شرعية تلك الممارسة. وهناك تعريف مشابه في الماركسية. لكن مؤلف الكتاب يعتبر تعريف فيبر ـ الأكثر انتشاراً والأوسع تأثيراً في أوساط العلوم الإجتماعية والسياسية غير كاف؛ إذ يتعامل مع الدول القاهرة، والكيانات المقهورة على السوية نفسها، مغفلاً بذاك العملية التي يُلحق بها كيان مقهور بالدولة القاهرة التي تستمد شرعية ممارسة العنف عليها من تاريخها الإستعماري الذي يتضمن صناعة الكيان المقهور نفسه في كثير من الأحيان، والتأثر المباشر على المجموعة الحاكمة فيه، والربط الإقتصادي بين المستعمرة والمستعمَر «السابقين»، إضافة إلى الدور القهري الذي تمارسه ما تسمى «المؤسسات الدولية» : الأمم المتحدة ومجلس أمنها، صندوق النقد والبنك الدوليين، ومنظمة التجارة العالمية..

ممارسة العنف بهذه الوسائل، على المستوى العالمي، يحتكره ويحتكر شرعيته البعض (الأقوى)، يمكن تسميتها بهذا المعنى الفيبري، حال توسيعه على نطاق العالم ومنظومته الإقتصادية الرأسمالية المتشابكة : دول، وهم يمارسون عنفهم هذا على أكثرية ممن لا يمكن بهذا المنظور أن يكونوا دولاً، بل كيانات وظيفية، لكل منها وظيفة في نطاق تقاسم النفوذ الدولي داخل إطار الرأسمالية، وهم موضوع لممارسة العنف والتدخل والإلحاق، وإن مارسوا واحتكروا الإكراه داخل حدودهم الجغرافية.

استناداً إلى هذا التعريف «الممتد»، يعتقد المؤلف بأن هناك «مروحة» من الحالات التي تقع بين «الدولة» و «الكيان الوظيفي»، تعتمد على مجموعة من العوامل والظروف والإمكانيات والتدخلات والصراعات. «إسرائيل» ـ على سبيل المثال ـ وفقاً للمؤلف ، كانت «كياناً وظيفياً»، لكنها «تطوّرت» بإتجاه أن تصبح «دولة». واليونان التي كانت «دولة» تحولّت منذ سنوات إلى «كيان وظيفي»، أو مساحة لنفوذ فواعل سياسية واقتصادية تقع خارجها، وتدير البلد لصالح هذا الخارج (الإتحاد الاوروبي، تحديداً ألمانيا).

ماذا يترتب على هذه الرؤية التحليلية المبتكرة؟ نحن نعيش ـ وفقاً لهشام البستاني ـ في «كيانات وظيفية»، وليس في «دول»؛ وليس هناك ما يسمى ﺑ «النظام السياسي»، بل «مجموعات حاكمة». فالنظام يشير إلى أن هناك دستور وقوانين وانظمة تحترم من قبل الجميع. أما المجموعات الحاكمة، فهي على استعداد للقفز دائماً عن الدستور والقوانين إذا ما تطلبت مصلحتها ومصلحة «المعلم» المسيطر عليها ذلك. والأمثلة على ذلك لا تعد ولا تحصى : إتفاقيات اقتصادية تتعلق بالغاز، معاهدات «سلام»، إدارة الظهر للإصلاح السياسي ووعود التنمية، انتهاك «سيادة الدولة» من خلال اتفاقيات دفاع مع دول كبرى، ترك «حبل» الفساد على «الغارب» بدون أدنى محاسبة إلخ…

من أجل إعطاء تحليله قوة ومنطقاً وحججاً مقنعة، يُكرّس المؤلف فصولاً ثلاث لتتبّع جذور الكيانات الوظيفية ومجموعاتها الحاكمة، والتبادل الوظيفي لهذه الكيانات، بخاصة «إسرائيل»، فلسطين والأردن. كذلك لنقد هوياتها «الإنعزالية» . في هذا السياق، يُفنّد البستاني جذرياً ومطوّلاً أطروحات المرحوم ناهض حتر حول «الوطنية الأردنية»، ويدحض الحجج التي تدافع عن «الوطنية الفلسطينية»، ويعتبر «إسرائيل» كياناً استيطانياً استعمارياً يجب على الدول الكبرى والصغرى والأمم المتحدة وكل المؤسسات المسماة دولية أن تحدد موقفها تجاهه : هل ترضى وتقبل بوجود مثل هذا الكيان المتناقض وجوده مع كل أنواع الشرعيات الإنسانية ومفاهيم الحق والعدالة عند البشرية .. لأنه قام على انقاض شعب آخر طُرد من أرضه هو الشعب الفلسطيني ؟

استطراداً لهذا التحليل، يقوم المؤلف بنقد جذري لاذع لأحزاب المعارضة التقليدية، بخاصة اليسارية، التي أصبحت ـ برأيه ـ جزءاً من الكيان الوظيفي، تتحرك تحت سقفه وضمن حدوده وقوانين المجموعات الحاكمة. ويُعرّي الوظائف الحقيقية للإنتخابات النيابية في ظل هذه الكيانات وكيف توظّف حتى الإنتفاضات الشعبية ـ بعد قمعها بالقوة ـ لصالحها لدى القوة العالمية المسيطرة عليها، ناهيك عن تجريف الحياة السياسية في البلد، بحيث تبقى «المجموعة الحاكمة» هي وحدها المحتكرة للعمل السياسي. الأمر الذي يعني ـ في النهاية ـ بأنه لا يمكن تحقيق ديمقراطية ولا إصلاح سياسي ولا تنمية إلخ.. في ظل هذه الكيانات التي تحكمها «مجموعات»..

ما هو الحل إذن ؟ يجب على المشتغلين بالشأن العام النضال من أجل خلق مساحات للعمل العام مستقلة تماماً عن المجموعات الحاكمة وسياساتها وقوانينها، وذلك في إطار استراتيجية يُطلق عليها المؤلف «التقويض الفعّال» ـ تحت شعار «نحن دافعي الضرائب». لكن المؤلف يستشهد بتعريف المناضلة الألمانية روزا لوكسمبورغ ﻟ «الشعب» الذي هو «جموع المضطهدين»، لأن المسألة هي أولاً وآخراً صراع طبقي على المستوى الدولي، كما على المستوى المحلي. كمثال على بناء مساحات متحررة من نفوذ المجموعات الحاكمة يستشهد المؤلف ﺑ «انتفاضات الربيع العربي» و «ساحات التحرير» التي تعتبر شكلاً جنينياً ﻟ «التقويض الفعّال»، سرعان ما قُضي عليها بسبب غياب أو ضعف القوى السياسية المنظمة.

* * *

قيمة كتاب هشام البستاني ـ سواء اتفقنا أو اختلفنا معه كلياً أو جزئياً ـ هو أنه يُحرّك المياه الراكدة في الفكر السياسي السائد في أقطارنا، لأنه تفكير من «خارج الصندوق»، يحاول أن يكسر الآفاق المسدودة للواقع السياسي المأزوم الذي يعاينه الكثيرون من المشتغلين بالشأن والهم العام.

مع تقديرنا العالي للجهد المبذول في هذا الكتاب ـ الدراسة (استغرق عشر سنوات، ونُشرت بعض فصوله سابقاً كدراسات في صحف ومواقع الكترونية)، إلّا انه يُعاني من ثغرة فكرية أساسية وهو اعتماده الماركسية كنظرية أساسية في تحليله دون ان يأخذ بعين الإعتبار بأن الأطروحات التي يستشهد بها ويستند إليها قد مضى عليها زمن طويل (مئة سنة)، دون أن يجري تطوير للنظرية الماركسية. لا جدال بأن هذه صحيحة كنظرية سياسية ـ اقتصادية ـ اجتماعية، تقف على قاعدة صلبة، لكنها ناقصة، أو أنها تحتاج إلى تحديث أو تطوير بأكثر مما جاء به المفكر المصري المرحوم سمير أمين أو الفيلسوف السلوفيني المعاصر سلافوي جيجيك.

التجارب التي يستشهد بها المؤلف لم تنجح (كميونة باريس 1871، إنتفاضة الحزب الشيوعي الألماني 1919)، كما لا يجوز أن ننسى ـ أذا أردنا محاكمة الأمور بشمولية وعمق ـ أن نقفز عن تجربة الإتحاد السوفييتي (السابق) والعديد من الدول الأخرى التي قامت أنظمتها الإشتراكية على أساس الماركسية ـ اللينينية. لقد انهار الإتحاد السوفييتي ـ الدولة، القوة العظمى، على سبيل المثال، دون خوض حرب خارجية أو قيام ثورة داخلية…ومع ذلك، بعد مضي أكثر من ثلاثين سنة من انهيار سور برلين والأحداث التاريخية الجسيمة التي أعقبته، لا يوجد تحليل فكري شامل مقنع يُفسّر ما جرى بوضوح ودقّة، وبصورة علمية محايدة. ويزيد من الحيرة، ذلك التوفيق أو المزج الذي تقوم به التجربة الصينية بين الإستمرار في حكم الحزب الشيوعي المطلق وممارسة اقتصاد السوق، السمة الرئيسة للرأسمالية !

على صعيد آخر، طرأ على العالم منذ ثلاثة عقود ويزيد تطورات سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية وتكنولوجية مذهلة أخذت تفسح المجال للنظر إلى ما يجري في هذا العالم من خلال مقاربات أوسع وأشمل، بما فيها طبعاً المقاربة أو التحليل الماركسي. في هذا السياق، استغربُ استشهاد المؤلف بنظريات وكتب لفيلسوف و«عالم اجتماع» من أصل بولندي (سيجموند باومان) هو في الحقيقة «فيلسوف» يكتب «علم اجتماع متخيّل» وغير قائم على البحث والدراسة، كما هو شأن علم الإجتماع. أضف إلى ذلك، أن كتب هذا الأكاديمي (أستاذ في جامعة ليدز / بريطانيا) تعرّضت إلى النقد الشديد لدرجة وصف أحد المؤلفين الفرنسيين (سيمون تابيه) باومان بأنه «انتهازي، يقطف من كل بستان زهرة»، في إشارة إلى كتبه الثمانية عن مظاهر «الحداثة السائلة» : الخوف السائل، الحب السائل، الحياة السائلة، المراقبة السائلة، الأخلاق في عصر الحداثة السائلة، المراقبة السائلة، الشر السائل..!

إذا حصرنا كل شيء في الصراع الطبقي (دون أن يُفهم من ذلك رفض أو إغفال لهذا الصراع)، فإننا سنصل سريعاً إلى حائطٍ مسدود، خصوصاً عندما يدور الدولاب وينهض النضال من أجل تحويل النظرية إلى تطبيق وواقع. لقد طوّر النظام الرأسمالي من آليات هيمنته، وإزداد قوة بحيث أصبحت مواجهته تتطلب حشد أوسع قطاعات من الجماهير المتضررة منه، وهذه ليست فقط مهمة الطبقة العاملة، دون أن ننسى بأن التشكيلات الإجتماعية في دول الأطراف، كما يسميها سمير أمين، هي شديدة التعقيد، ودون أن ننسى «وزن التاريخ» والثقافة والتراث في هذه المواجهة التاريخية الطويلة.

قبل خمسين عاماً، ربما قرأ البعض منّا أدبيات النظرية الثورية، وضرورة القيام ﺑ «تحليل ملموس للواقع الملموس»، وبأن «لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية»، واعتقدنا بأن تغيير العالم يتم بسهولة إذا ما ناضلنا وواصلنا النضال بجهود «إرادوية» مخلصة. وعندما انغمسنا في الواقع، اكتشفنا بأن تغيير العالم دونه «خرط القتاد»، أي صعب؛ لكنه ليس مستحيلاً، بدليل نجاحات شعوب أخرى في «الأطراف» في تغيير واقعها إلى الأفضل ، خلال العقود القليلة الماضية، بخاصة في أمريكا الجنوبية.

هذه الملاحظات لا تقلل من أهمية كتاب «الكيانات الوظيفية» الذي أتمنى أن يستقبله الحزبيون والسياسيون والمشتغلون بالشأن العام بإهتمام وأن يناقش بعمق، خاصة الجزء المتعلق بنقد الأحزاب اليسارية والممارسة السياسية بشكل عام. ربما تكون هذه طريقة مبتكرة، مفيدة وطريفة لمراجعة مئوية تأسيس الدولة. تحية لهشام البستاني على شجاعته وجرأته الفكرية والسياسية، بخاصة وأن تحليلاته تنم عن متابعة دقيقة وثاقبة. ومما يزيد من أهمية الاطروحات الواردة في الكتاب، أن المؤلف هو في الوقت نفسه طبيب أسنان وروائي، وبخاصة ناشط سياسي واجتماعي لعب دوراً بارزاً كمنسّق للحملة الوطنية الأردنية لإسقاط إتفاقية الغاز مع العدو الصهيوني (غاز العدو احتلال).

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

*«الكيانات الوظيفية: حدود الممارسة السياسية في المنطقة العربية ما بعد الإستعمار» (جزءان)؛ تأليف هشام البستاني ؛ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2021 ؛ التوزيع في الأردن : دار الفارس للنشر والتوزيع هاتف أرضي + 962 6 5605431

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

جولة الظلم الأخيرة

الأول نيوز – صلاح ابو هنّود مخرج وكاتب لا يذهب نتنياهو إلى واشنطن حاملًا مشروع …