الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – بينما كنتُ على سطح البيت، أراقب المدينة من حولي، إذا بي أرى نسرًا يطير عاليًا وعلى ظهره غراب ينقد بمنقاره رأس النسر. ظلَّ النسر يحلِّق مرتفعًا حتَّى لم يعد الغراب يستطيع البقاء على ظهر النسر فترك “فريسته” وألقى بنفسه طالبًا النجاة من ضيق التنفُّس الذي قد يقضي عليه والذي بدأ يصيبه من جرَّاء الارتفاع العالي. ولكنَّه شعر فجأة أنَّ النسر لن يرحمه بل إنَّه يتَّجه صوبه بسرعة كبيرة فخاف أن يمسكه بساقيه الجبَّارتين، لكنَّ النسر مرَّ من جواره دون أن يمسَّه وكأنَّه يقول له: “لا تستأهل حتَّى أن أقضي عليك، لأنَّني لا أعامل الضعفاء بالمِثل”.
كم يحتوي عالمنا اليوم من غربان يظنُّون أنَّهم قادرون على السيطرة على أشخاص أقوياء، أو مثقَّفين أو علماء، لكنَّهم لا يعرفون أنَّ هؤلاء تحرَّروا من كلِّ ضعف وخنوع وخوف بل هم يرتقون فوق المادّيَّات ممّا يجعل “الغربان” تسقط من عليائهم عند أوَّل تجربة.
وكم يحتوي عالمنا اليوم من جبناء متخفِّين وراء أقنعة ما يملكون من مال أو أسلحة أو سلطة أو رجال مدجَّجين بالأسلحة، يُرهبون الآخرين بهم، بل يُقدمون على السجن والتعذيب وحتَّى القتل لأنَّهم مقتدرون، وعند أقلِّ نكسة يَظهرون على حقيقتهم ضعفاء جبناء، بينما من مات على يدهم أو تعرَّض للسجن أو للتعذيب، يرتقي إلى سُلَّم الخلود أو البطولة أو الانتصار…
وكم يحتوي عالمنا اليوم من جهلاء يدَّعون العلم والمعرفة يُسكتون الفلاسفة والعلماء بتفلسفهم وادّعاءاتهم ظنًّا منهم أنَّهم بذلك أفحموا سامعيهم بينما أولئك في الحقيقة لا يعيرون لهم انتباهًا ولا يردُّون عليهم رغبة في المحافظة على مقامهم وعلى سموِّ أفكارهم ونبلهم…
وكم يحتوي عالمنا اليوم من ناس همُّهم إغاظة الآخرين بسلوكهم السيّئ وكلامهم البذيء المليء سفاهة وخفَّة عقل، ويكون ردُّ هؤلاء بالسكوت والصمت أو بابتسامة تنمُّ عن وعي وإدراك لحقيقة أولئك.
كم من جهَّال في عالم اليوم يتبوَّأون مناصب رفيعة لأنَّ الواسطة لعبت دورها! وكم من مثقَّف ولامع في دروسه يبحث ويبحث عن عمل دون جدوى لأنَّ الأماكن الهامَّة بيد هؤلاء الجهّال!
وأخيرًا، تعجبني فكرة تقول: “عالم الغرب يتمسَّك بالتلميذ النابغة ويقدِّم له كلَّ الوسائل لأجل نجاحه لأنَّه يعرف جيِّدًا أنَّه سوف يستفيد منه عندما يصبح بالغًا، بينما عالمنا الشرقيّ يسعى جاهدًا لتحطيم كلِّ تلميذ نابغة لئلاَّ يتفوَّق على أترابه”؛ فنجد أنَّ السواد الأعظم من حكَّامنا هم حقًّا فقراء لا يملكون من غنى هذه الدنيا سوى المال.
وعندئذٍ، نكتشف لماذا عالمنا العربيّ في انحطاط مستمرّ، بينما عالم الغرب في ازدهار ونموٍّ متصاعدين.
فلنتوقَّف عن إضاعة وقتنا مع “غربان” الحياة، ولنبحث جيِّدًا عن نسور يستطيعون أن يحلِّقوا بنا عاليًا ويرفعوا شأن أوطاننا العربيَّة، بما يتحلَّون به من نجابة وعلم وثقافة ومعرفة.فلا ينصَّب جاهل إلاَّ على يد جاهل، ولا ينصَّب عالِم إلاَّ على يد نجيب…