جنى عمر

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – أمضيتُ ليلة رائعة لدى أسرة تعيش في بلدة جبليَّة. وإذ كان الحجْر ليلاً ما زال سائدًا، استبقوني عندهم حتَّى اليوم التالي. في الصباح الباكر، استيقظت ورحتُ أسير وسط الحقول أمتِّع نظري بجمال الطبيعة من حولي واستوقفني مشهد قفائر النحل المنتشرة بكثرة في بقعة معيَّنة من تلك الأرض. ولمّا عدتُ إلى البيت، كان الفطور مهيَّأ وأهل البيت ينتظرونني والبسمة تملأ وجوههم. قبل المباشرة بالفطور، قدَّم لي صاحب البيت ملعقة من العسل البلديّ قائلاً لي: “تناول هذه الملعقة على الريق. هذه جنى عمر بكامله”.

وإذ بدا الاستغراب على محيَّاي أردف قائلاً: “تعيش النحلة العاملة ما يقارب الأربعين يومًا. تعمل خلالها باجتهاد لا يعرف التعب، تقضي أيَّامها تتنقَّل بين القفير (خليَّة نحل) والزهور، تأخذ الرحيق وتحوِّله إلى عسل، وتستطيع أن تنتج مدَّة حياتها ما يقارب سبعة غرامات من نتاع العسل، أي ما يعادل هذه الملعقة الصغيرة التي أقدِّمها لك.”

أخذتُ الملعقة من يد صاحب البيت وتناولتها بشهيَّة مضاعفة وأنا أفكِّر بتلك النحلة التي تقضي عمرها كلَّه لتصنع عسلاً بهذا المقدار الضئيل.

ثمَّ تابع كلامه قال: “أمّا اليعسوب (ذكر النحلة) فلا عمل له سوى التزاوج مع الملكة، وتتمُّ عمليَّة التزاوج خلال الطيران ويموت الذكر بعد تلقيح الملكة مباشرة. وبقيَّة الذكور يُطردون خارج القفير ليموتوا من البرد والشتاء لئلاَّ يأكلوا العسل الموجود داخل القفير…”

عالم النحل عالم لا يعرف الكسل ولا الراحة، وكأنَّ القول: “من لا يعمل لا يأكل” يُطبَّق بشكل مباشر على عالم النحل.

النحلة حشرة مفيدة نتاعها عسل لذيذ يشتهيه كلُّ امرئ. والنحلة عاملة نشيطة، تعرف أن تبعد عن بيتها كلَّ متطفِّل يحاول أن يتسلَّل إلى القفير أو يعيش عالة على غيره ولو كان يعسوبًا.

عالم النحلة عالم نظاميّ جدًّا، يعمل النحل معًا دون تلكُّؤ ولا اتّكاليَّة، فكلُّ مملكة تنقسم على نفسها تخرُب، لذلك تحافظ على تماسكها وعندما تشعر بأنَّ عدد أعضائها أصبح يفوق القفير الذي تسكن فيه تنقسم إلى قسمين وتمضي ملكة مع نصف القفير إلى مكان آخر لتنشئ قفيرًا خاصًّا بها، بينما تتابع ملكة أخرى مهمَّة إعادة إكمال القفير الذي نقص بسبب الانفصال. يتعلَّم النحل في مدرسة الحياة وهي كافية لتجعل منه خليَّة متماسكة، والكلُّ يعمل بجدٍّ واندفاع.

أمّا البشر وهم شعوب حضاريَّة يتعلَّمون في مدارس وجامعات ويحصِّلون الشهادات العالية، يقضون القسم الأكبر من حياتهم في العلم والتحصيل الثقافيّ. ورغم تمدُّنهم، نجدهم يتباغضون ويتناحرونويتقاتلون، ولا يعملون إلاَّ ما يشوِّه عالم الطبيعة والحيوان والإنسان، وإن وجدنا أنَّ قسمًا لا بأس به من البشر يعملون لأجل الرقيّ والتقدُّم، نرى أنَّ الكثير من المخطّطين يجتهدون في دراسة كيفيَّة السيطرة على الآخر والقضاء عليه. ويبقى المال هو الإله الذي يتنازع عليه البشر بمعظمهم.

تترك النحلة بعد عمرها القصير أشهى المأكولات على الإطلاق ولو كمّيَّته ضئيلة، أمّا أنا الذي أعتبر نفسي أهمَّ بكثير من ألف نحلة، فيا ترى ماذا أترك ورائي بعد حياتي على هذه الأرض؟

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي …