الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – قرأتُ نادرة أعجبتني وأحببتُ أن أرويها لكم على طريقتي: مرَّت سيَّارة مسرعة على الطريق، وفجأة سُمع صوت فراملها عاليًا، وصوت ارتطامها بجسم يقطع الطريق. فتجمهرت الناس حول السيَّارة ليروا ما حدث وكيف السبيل للمساعدة. وإذا فضوليٌّ مارٌّ من هناك رغب بشدَّة في أن يرى من الصريع، فاقترب من الجمع وراح يطلب من المتجمِّعين أن يُفسحوا له الطريق قائلاً لهم بلهفة: “أنا من أقارب المصاب”. ولمّا وصل إلى المقدِّمة وجد القتيل كلبًا…
هذه حالنا في كثير من الأحيان، نتدخَّل في أمور لا تعنينا، قائلين إنَّ الأمر من شأننا، فتكون النتيجة علينا خجلاً واحمرار وجه.
وبما أنَّ لكلِّ شيء حسناته وسيِّئاته– فالماء مثلاً هو في آن مصدر للموت (الغرق) ومصدر للحياة (يروي ظمأ العطشان) – كذلك الفضول. هناك فضول إيجابيّ وفضول سلبيّ. الفضول الاجتماعيّ غالبًا ما يقابَل بنظرة لوم أو ملاحظة مخجلة. أمّا الفضول العلميّ فهو ازدياد في المعرفة. وكثيرًا ما يكون الفضول العلميّ سببًا في خروجنا من مأزق حرج أو موقف مخزٍ.
من منَّا لا يحمل جوّالاً أو هاتفًا ذكيًّا في تنقُّلاته؟ والهاتف أيضًا له حسناته وسيِّئاته. من سيّئاته أنَّه أبعدنا عن محيطنا القريب وعن التخاطب مع أقرب المقرَّبين إلينا. ومن حسناته أنَّه يصلنا بشبكة معلومات لا تُحصى ولا تُعدّ. فلمَ لا نحسن استعماله بطريقة إيجابيَّة؟ لمَ لا يكون لنا مصدر تثقيف وقت فراغنا بدل أن نتلهَّى دائمًا بالألعاب التي وُجدت لتمضية الوقت وفي أغلب الأحيان تكون مضيعة للوقت؟ في حين أنَّه يمكننا استعمال الهاتف الذكيّ ليطلعنا على كلِّ شيء جديد، أو كلِّ معلومة مفيدة تزيل عن فكرنا الشكّ.
سُئلتُ الأسبوع الفائت: كيف عرفت عمر النحلة واسم ذَكر النحلة وعمليَّة تزاوجهما لتكتب مقالة عنها؟ فكان جوابي بسيطًا جدًّا: سُئلتُ عن النحل فدخلت في هاتفي إلى قسم المعلومات وبحثت عن النحل فظهرت أمامي مواقع كثيرة تتناول هذا الموضوع. فوجدتها موضوعًا دسمًا لمقالة تفيد قارئيَّ.
ومرَّة، بينما كنَّا نتحدَّث،رفاقي وأنا، توقَّفنا على كلمة أجنبيَّة، كلُّ واحد راح يترجمها حسب تفكيره الخاصّ حتَّى ضعنا في مدلولها الصحيح في اللغة العربيَّة، فلم نُطل الجدال بل فتحنا صفحة الترجمة الفوريَّة ووجدنا الترجمة الصحيحة للكلمة المطلوبة…
يحتاج المرء بين حين وآخر إلى فترة تسلية ونقاهة فيتلهَّى بما أنزله من ألعاب على هاتفه النقَّال. لكنَّه يستطيع أيضًا أن يستعين بالمخزون الفكريّ الموجود في الهاتف ويطرح أيَّ سؤال يخطر على باله فيزيد معلوماته الثقافيَّة فيستفيد ويفيد غيره ممَّا حصَّله من ثقافة.
التكنولوجيا اليوم سهَّلت علينا أمورًا كثيرة، لو أحسنّا الاستفادة منها لازدادت معلوماتنا الثقافيَّة. ما ينقصنا أحيانًا كثيرة هي الخطوة الأولى. فنسعى أن نحوِّل فضولنا الشخصيّ من فضول عقيم لا يَنتج منه سوى الثرثرة الباطلة، إلى فضول علميّ سليم ومفيد لنا وللآخرين. هلاَّ خطونا الخطوة الأولى؟!