الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – النزاهة في العمل كنز قيمته لا تقدَّر بثمن. فهي لا تجمع المال الوفير ولكنَّها تجلب الصيت الحسن. والرئيس القويّ لا يختار بين مرؤوسيه من “يسمع الكلمة” ويطيعه طاعة عمياء، بل من يعمل جاهدًا لأجل الخير العامّ والتقدُّم المستمرّ والعمل المثمر، قبل البحث عن الفائدة الشخصيَّة.
بعد عمل دؤوب دام أربع سنوات، حان وقت التغيير. لملم رئيس القسم أوراقه وهيَّأ نفسه ودخل إلى مدير الشركة منتظرًا أن ينال منصبًا جديدًا في قسم آخر، لأنَّه بحسب اعتقاده عمل بكلِّ تفانٍ واندفاع لأجل الشركة ولأجل تقدُّمها. فرأى المديرَ هو الآخر يلملم أوراقه للرحيل. تفاجأ رئيس القسم وقال: ماذا جرى؟ إلى أين؟ فجاوبه: دعك الآن وهذا السؤال. اقعد لأكلِّمك بأمور أخرى أكثر جدّيَّة.
وعندما استوى كلٌّ منهما على مقعده، تابع المدير كلامه: عُيِّنتَ في منصبك منذ أربع سنوات، خلالها مرَّت إحدى الموظَّفات بمشكلة كبيرة قرَّرتُ فصلها. أمّا أنت فوقفتَ إلى جانبها ودافعتَ عنها ببسالة حتَّى بقيَت في وظيفتها رغمًا عن إرادتي، وأظهرتْ نتائج عملها فيما بعد أنَّ الحقَّ كان إلى جانبك. وفي مشروعنا الكبير الثالث كان لك رأي خاصّ دافعتَ عنه حتَّى النهاية، ووقت التنفيذ ظهر أنَّه رأي صائب، ولولا عنادك وتمسُّكك برأيك لخسرت الشركة مبالغ طائلة. وعندما طردتَ ذلك الموظَّف المحتال، بعد اكتشافك احتيالاته، بالرغم من ثناء جميع الموظَّفين على عمله، بدا لصاحب الشركة أنَّ همَّ نجاح الشركة هو من أولويَّاتك، ولو أنَّك عارضتَ صاحب الشركة بوقاحة في أكثر من مشروع، واعتُبرتْ تلك المعارضات نقطًا سوداء في سجلِّك. لذلك، قرَّر صاحب الشركة فصلك من القسم الذي تعمل فيه…
فقاطعه رئيس القسم قائلاً: عملتُ بحسب ضميري المهنيّ، وبحسب خبرتي المتواضعة التي سخَّرتها في سبيل الشركة. ولن أتراجع عن قناعاتي ولو أدَّى ذلك إلى صرفي من عملي.
وتابع مدير الشركة كلامه: أعرف ذلك تمامًا. ولذلك قرَّر صاحب الشركة فصلك من هذا القسم…
وهنا دخل صاحب الشركة إلى المكتب دون استئذان، واقترب من رئيس القسم وصافحه بشدَّة وقال له: نعم، هذا صحيح، قررتُ فصلك من القسم الذي تعمل فيه لأجعلك مديرًا للشركة كلِّها… أمّا مديرك فسوف ينتقل إلى إدارة شركة ثانية يعمل معي على إنشائها منذ سنتين.
يختار ضعيف الشخصيَّة أشخاصًا على مقاسه يقيمهم حواليه ليبقى مسيطرًا عليهم، معتقدًا أنَّ بعمله هذا يفرض احترامه على جميع الناس، وفي الحقيقة هم يسخرون منه، هازئين به. أمّا قويُّ الشخصيَّة فلا يخاف من أحد لا من المثقَّف ولا من الجريء ولا من الواثق من نفسه، بل يقيمهم على جميع أعماله ومقتنياته. ويبقى النزيه ذو الضمير الحيّ الذي لا يعرف الكذب والاحتيال والتلاعب، مرفوعَ الرأس لا تحنيه الصعوبات ولا الضغوطات ولا حتَّى الرئاسات. أتُرانا ما زلنا نجد في عالمنا أشخاصًا نزهاء؟