الخوري أنطوان الدويهيّ-
الأول نيوز – “هناك ناس فقراء للغاية فهم لا يملكون شيئًا إلاَّ المال”، أعجبتني هذه المقولة جدًّا وهي مصيبة مئة في المئة. والملفت للنظر، في عصرنا الحاليّ، أنَّ هؤلاء “الفقراء” يزداد عددهم يومًا بعد يوم، وبشكل ملفت، بين ليلة وضحايا يصبحون فوق الريح…
كثيرون لا يملكون المال، ثيابهم رثَّة، رائحتهم كريهة، منظرهم زريّ، لكنَّهم لا يساومون على كرامتهم، ولا على قيم تربَّوا عليها لأنَّهم يعلمون أنَّ هذه القيم هي ثروتهم الوحيدة، يكفي أنَّهم يتمتَّعون بصحَّة جيِّدة وقادرون على متابعة هذه الحياة بجهاد واقتناع. حسبهم أنَّهم ينامون على سرير وهم مرتاحو الضمير. جلَّ مناهم أن يرضوا ربَّهم ويرضوا ضميرهم. فأخلاقهم تشهد لهم صدق نيَّاتهم، ونظافة كفِّهم. يقول مثل لبنانيّ: “فلاَّح مكفي سلطان مخفي”. أي الفلاّح المكتفي بما أعطاه الله من خيرات هذه الدنيا مهما كانت زهيدة فهو يعيش كسلطان لا يعلم به أحد، لأنَّه مرتاح الضمير، نظيف الكفّ، لا يبحث عن مال ولا عن جاه، ولا يطلب الوجاهة ولا السيطرة ولا التسلُّط. لا همَّ عنده سوى مرضاة إلهه.
كثيرون يملكون المال ومعه يملكون الحسَّ الإنسانيّ المرهف، وروح الخدمة والتضحية والعطاء، والكفّ المفتوح، واللسان الدافئ، والكلام المعسول، والابتسامة الساحرة، والالتفات إلى المحتاج والمحروم، إلى المعوَّق والضعيف. هؤلاء جمعوا في شخصهم كلَّ الصفات الإنسانيَّة التي تبني أوطانًا، وتنعش مجتمعات، وتصقل الضمير. هؤلاء يفكِّرون في الآخرين وكيف السبيل إلى مساعدتهم، قبل أن يفكِّروا بمصالحهم الشخصيَّة وكيفيَّة ازدياد ثروتهم وممتلكاتهم. هؤلاء يعملون لأجل الإنسان، كلِّ الإنسان، ولا يلتفتون إلى دينه أو عرقه أو لونه أو جنسيَّته. هؤلاء وُجدوا ليتوازن المجتمع، فلا الكبير يأكل الصغير، ولا القويّ يسيطر على الضعيف، ولا الغنيّ يسحق الفقير. بكلمة، هؤلاء وُجدوا ليكون المجتمع!
وكثيرون لا يملكون سوى المال بعدما فقدوا كلَّ القيم الإنسانيَّة، وفقدوا معها مشاعرهم والأحاسيس، وافتقروا إلى الكرامة والعنفوان، إلى الضمير والوجدان. ثيابهم نظيفة ولكنَّ رائحة مفاسدهم تخنق الأنفاس. أضحوا مرتهنين لأصحاب سلطة، يحتمون بهم ليخفوا عيوبهم وأعمالهم التي كثيرًا ما تكون غير مشروعة.ننظر إليهم وهم محاطون بحرَّاس خوفًا على حياتهم من الفقدان، وعلى أموالهم من الضياع، وعلى ثرواتهم من السرقة. قد يتبوَّأون أعلى المناصب، وقد يحصلون على أسمى المراكز، وقد ينالون مديح الناس، وتصفيق الجماهير. ولكنَّ من نال مديح الناس نال أجره من الناس. ومن انتظر مديح ربِّه ينال أجره من الربّ. كلٌّ منَّا ينتظر المكافأة على أتعابه، على جهوده، على ابتكاراته، ولكنَّ المكافأة السنيَّة هي التي ينالها المرء من لدن الله.