-
د. سليمان صويص –
الأول نيوز – تكثر التكهّنات والتوقعات عمّا ستتمخض عنه أعمال لجنة تحديث المنظومة السياسية؛ بعضها يميل إلى التفاؤل، والبعض الآخر إلى التشاؤم، وما بينهما من «تشاؤل» ! لا شك أن خلف كل موقف متفائل أو متشائم بواعث وأسباب وعوامل موضوعية أو ذاتية، ليس أقلّها «أننا يجب أن نزرع الأمل في النفوس، ولو قليلاً؛ إذ يكفينا ما نحن فيه من إحباط».
مع الإحترام لوجهات النظر والمواقف كافة، علينا أن نحتكم، بشكل صارم، إلى العقل والمنطق والتجارب التي مرّت بالوطن؛ ليس فقط لأن «العقل زينة» ـ كما يُقال ـ بل، بخاصة، لأنه لا مجال للصدفة أو للمفاجآت في عالم السياسة، اللهم إلّا فيما ندر من حالات.
الديمقراطية التي تحلم بها قطاعات واسعة من الأردنيين ليست فقط قوانين انتخاب وأحزاب وإدارة محلية ـ على أهمية هذه القوانين القصوى ـ بل هي أولاً وقبل كل شيء «سياسة» و «نهج» متكامل على الأصعدة كافة؛ وهي بالأساس ـ فيما هو أبعد من مجرد أغلبية وأقلية ـ نظامٌ يحتكم إليه الجميع لحل التناقضات الموجودة في المجتمع سلمياً، بدلاً من «حلّها» عن طريق العنف أو القمع أو احتكار الرأي الواحد، مع ما يجلب ذلك، أو سيجلب، من نزاعات وصراعات لا شك أن الأردنيين يحاولون تجنّبها من منطلق الحرص على وطنهم ومستقبله.
ما هو الوضع الذي يعيشه المجتمع الأردني في الوقت الذي تنطلق فيه أعمال لجنة تحديث المنظومة السياسية ؟ يعيشُ الأردنيّون الآن بينما لا يزال المنظور الأمني وما يرافقه من أجهزة وسياسات وممارسات هو السائد في البلاد، وهو منظورٌ لا مكان فيه لمعارضة تصطدم بسياسات النظام، بدليل أن المنتمين لهذه المعارضة، إما في السجون، أو تم استبعادهم من اللجنة المشكّلة، كلجنة المتابعة الوطنية وحزب الوحدة الشعبية، وحزب الشراكة والإنقاذ ولجنة المتقاعدين العسكريين وغيرهم. يسحب هذا المنظور نفسه على جوانب عديدة من حياة الأردنيين، ويتحكّم بها من خلال قبضة حديدية، قانونية وإجرائية، مثل ما يسمى «قانون منع الإرهاب»، وقانون الإعلام الألكتروني وقانون منع الجرائم وعشرات القوانين التي صُمّمت بالأساس وتم تمريرها للحيلولة دون ممارسة الأردنيين لحرياتهم العامة، اللهم إلّا بالقدر الذي لا يضرّ بسياسات النظام الأساسية .. بدليل أن العديد من تلك القوانين، حتى تلك التي صدرت بعد عام 2014 ـ أي بعد إدخال التعديلات الدستورية ـ تخالف الدستور نفسه، خاصة المادة 128/1 منه التي تنص على أنه «لا يجوز أن تؤثر القوانين التي تصدر بموجب هذا الدستور لتنظيم الحقوق والحريات على جوهر هذه الحقوق أو تمس أساسياتها».
يعيش الأردنيون الآن بينما لا يزال الفساد ينخر جسم الدولة الأردنية، دون أن يشاهدوا فاسداً واحداً من «العيار الثقيل» وراء القضبان. ويعيش الأردنيون الآن بينما لم يُحاسب أي مسؤول عن عشرات القرارات التي كانت سبباً في تدمير الوضع الإقتصادي والمالي للبلاد، سواء في ضوء تقرير تقييم عمليات التخاصية (2013)، أو بسبب الإرتتفاع الفلكي لأرقام المديونية، في غضون بضعة سنوات؛ أو فيما يتعلق بنهب جيوب الأردنيين اليومي من خلال الفساد الفظيع الذي يرتقي إلى مستوى الجريمة الوطنية الكاملة الأركان، في قطاع الطاقة وتسعير المحروقات، وهو فساد أصبحت رائحته تزكم الأنوف، ونتائجه كارثية على اقتصاد الوطن ومعيشة القطاع الأوسع من الأردنيين.
حتى لا يٌصاب أحدٌ بوهم كبير أو صغير، نُذكّر بأن الحديث يدور حول «تحديث المنظومة السياسية»، ولا يوجد هناك أية نية لشيء اسمه «إصلاح»، بُحّ صوت القسم الأعظم من الأردنيين من كثرة ما طالبوا به. «التحديث » يعني أن كل شيء «تمام التمام»، لكنه بحاجة إلى شيء من «التطوير» أو «التحسين» أو «الشلبنة». أما «الإصلاح» فيعني بأن هناك خللاً أو نقصاً او عيباً أو فجوة تحتاج معالجة ربما تكون جذرية أو جزئية.
لو كان هناك حدٌ أدنى من إرادة سياسية حقيقية للتجاوب مع مطالب أغلبية الأردنيين وقواهم السياسية والإجتماعية لمهّد النظام ـ قبل الإعلان عن اللجنة ـ بسلسلة من الإجراءات والقرارات والتعديلات التي تقول بوضوح، ولو بطريقة غير مباشرة، «أيها الأردنيون، أنا جادٌ في التجاوب مع مطالبكم وطموحاتكم»، مثل الإفراج عن المعتقلين السياسيين، ووقف الإجراءات التعسفية ضد قوى المعارضة، والبدء بإجراءات حقيقية لمكافحة الفساد ومحاسبة المسؤولين الذين جرّوا الوطن إلى الحالة الراهنة؛ أقلّها تطبيق توصيات تقارير ديوان المحاسبة، على سبيل المثال، بدل الإستهتار بتلك التوصيات ورميها في سلة الإهمال!
يُضاف إلى ذلك كله بأن العدد الكبير لأعضاء اللجنة، أي وجود مجموعات متناقضة فيما بينها في الروئ والأهداف والمصالح، سوف يقود حتماً إلى «مخرجات توفيقية»، أي «لا تقتل الذئب ولا تفني الغنم». ويعود الحال إلى نقطة الصفر مع بعض التعديلات الطفيفة، أي سيبقى الوضع، من حيث الجوهر، على ما هو عليه؛ ولكن مع حقن إبرة وهم بالتغيير والتطوير، وهو أسلوب النظام التقليدي المفضّل، كلما حشرته الظروف في الزاوية، للتملص من استحقاقات الإصلاح السياسي الجذري الذي تطالب به أغلبية الأردنيين، ويرفضها النظام رفضاً قاطعاً، كما تجلّى ذلك في تجارب اللجان السابقة. وإذا ما تبنّت اللجنة ـ لسبب أو لآخر ـ توصيات أو مشروعات قوانين تتجاوز بقليل أو كثير ما يريده القابضون على مفاصل الحكم، فإن مجلس الأمة ـ بالتركيبة والآليات المعروفة ـ سوف يقف بالمرصاد لتلك المخرجات، وسيحاول تعديلها بما ينسجم ورغبة أهل الحكم. وسوف تجري الإنتخابات المقبلة بكل «حرية ونزاهة»، ولكن مع الإبقاء على اليد الطولى للأجهزة الأمنيّة، أي مثلما جرى منذ أزمان سحيقة في القدم، وليس فقط منذ 1989 !
بدلاً من إضاعة الوقت في متابعة أعمال اللجنة التي لا يجوز الطعن بمدى إخلاص وصدق وحسن نوايا العديد من أعضائها (وبعضهم من أصدقائي)، حريّ بالأردنيين الذين يطمحون إلى التغيير الحقيقي أن يركّزوا على انتزاع حرياتهم الديمقراطية (بخاصة العمل على إطلاق سراح المعتقلين السياسيين) .. هذه هي المعركة التي تستحقُ أن يبذل من أجلها كل جهد : نعم كل مساحة مستقلة من الحرية يحققها الأردنيون تُقرّبهم أكثر من الإصلاح السياسي الحقيقي الذي يطمح أغلبيتهم اليه ويناضلون من أجله. أما التعويل على لجانٍ معروفة بيئتها وحدودها ومخرجاتها سلفاً فهو كمن «يُجرّب المجرّب».. والحكمة تقول «لا يُلدغُ المؤمن من جحر مرتين»؛ فكيف بعشر ؟ ! (فلنتذكر المآل الذي انتهت إليه مخرجات اللجان السابقة، وأسباب ذلك).
قد يعتبر البعض هذا تشاؤماً؛ والجواب : إن الأمر لا يتعلق لا بتشاؤم ولا بتفاؤل، بل بتحليل معطيات وتجارب.. أعطني معطيات وتجارب، تثبت بأن هناك تغيراً حقيقياً في السياسات القائمة، غير ما ذُكر أعلاه، فيصبحُ التحليلُ والإستنتاجُ مغايراً حكماً.
الحرية أولاً.. الحرية ثانياً.. الحرية دائماً.. الحرية صانعة المعجزات…إسألوا الشعوب المتقدمة!..