معركة الكرامة ومعركة المقالة

 

أحمد ابو خليل –

الأول نيوز – فيما يتصل بقصة معركة الكرامة وقصة المقال وما تلا ذلك، أريد أن اتشارك الحيرة مع من يرغب منكم.

بما أن أغلب القراءة الآن تحصل عبر الخلوي، فكيف يتعين عليك أن تكتب في موضوع كبير ومعقد ولكن بشرط الانتباه إلى أن القراءة تتم من خلال شاشة صغيرة تنزلق بحركة من أصبع السبابة فوقها، وينزلق النص معها؟

يصعب أن تطلب من القارئ الذي يعثر بالصدفة على ما تكتب، ان يخصك بحركة أصبع بطيئة متأنية، فهناك منتظرون غيرك وربما اهم منك، لا بد أن يكون لهم من حركة ذلك الاصبع نصيب.

هذه خلفية عامة لما أريد كتابته، واعدكم أن لا أتعب أصابعكم كثيرا.

لقد أتيحت لي فرصة مطالعة مواد أرشيفية كتبت قبل وبعد معركة الكرامة، والغريب ان صناع تلك الأيام وشهودها، في الأردن بالذات، ناقشوا الأمور ببساطة وبهدوء وعقلانية (وفق تعريفي للبساطة والهدوء والعقلانية، وارجو ان لا يسألني أحد عن هذه التعريف لأن ذلك سيرهق أصابعي وأصابعكم).

يغيب عنا مثلا أن معركة الكرامة هي في الأصل عدوان اسرائيلي وليست غزوة أردنية أو فلسطينية، وقد كان العدو أعلن عن نيته مسبقا، وكانت الاستعدادات العسكرية على مرآى النظر، بل إن طائرات اسرائيلية نثرت اوراقا في القرى والمدن تعلن أهدافها.

سميت المعركة في الأيام والأسابيع الأولى “حرب الـ 15 ساعة” نسبة إلى مدتها، وقد سبقتها حرب اسمها “الثمان ساعات” التي غنينا كأطفال حينها:

“دايان اضلاعه مكسرات.. من حرب الثمان ساعات”.

كانت حرب الكرامة محطة بارزة في سنوات ثلاث من المواجهة هي حصتنا مما سمي حرب الاستنزاف على كل الجبهات (التسمية مصرية أصلا لأن خوض الحرب كان قرارا للدولة) في الجبهة الأردنية كان الاستنزاف ممثلا بالعمليات الفدائية وفي تغطية الجيش الأردني الرسمية بالاشتراك مع الجيش العراقي الذي كان متواجدا أيضا في الخطوط الأمامية ولكن بالتزام بالقرار الأردني وفق علاقة جسدت حالة تنسيق والتزام قومي راق ومسؤول.

وعندما نتحدث عن تغطية فهذا تضمن حالات عديدة من قصف أردني للعدو، أبرزه قصف طبريا وعرف حينها “طبريا مقابل اربد”.

ولكن إلى جانب هذه الجهات العسكرية، قدم السكان تضحيات كبرى، فقد أفرغت أغلب قرى المنطقة ودمرت المزارع والبيوت وقدم السكان شهداء وجرحى.

في اللغة المستخدمة حينها، كانت مفردات مثل “المقاومة الشعبية” أو المقاومة العربية مستخدمة، إلى جانب المواجهة العسكرية الرسمية طبعا، وكانت مفردة فدائي ساحرة على كل المستويات وكان خطاب الدولة الرسمي يقدمها كذلك، وقال الملك الراحل حسين إنه يعتبر نفسه الفدائي الأول، وكان غرام الجنود بالعمل الفدائي معلنا وظاهرا، ولعل بعضكم لن يصدق أني أنقل هذا الكلام عن منشورات رسمية، وعلى سبيل المثال أصدر الجيش كتابا بعنوان “الفدائيون بين الردة والانتحار” في مطلع عام 1973 أي بعد مواجهات 70/ 71 وقدم فيه وجهة نظر منصفة (وفق تعريفي للانصاف الذي أرجوان لا تسألوني عنه لنفس الأسباب).

المقالة التي أثارت النقاش والصياح الأخير، لم تخطئ في عبارة أن أبو عمار  قرر خوض المعركة”، ذلك لأن الجميع كانوا يعرفون أن المعركة المقبلة والمعلنة هي بالأساس معركة جيوش نظامية، وهذه شهادة قادة فصائل (يسارية وقومية) قرروا الانسحاب إلى الجبال بالتنسيق مع الجيش، وقد ادانوا حينها قرار أبو عمار بالإبقاء على معسكر  يضم حوالي عشرات (قيل انهم 70 مقاتلا) استشهدوا جميعهم، في مصير محتوم. وقد ربطوا حينها بين موقف عرفات وبين سلوكه وسلوك فتح السياسي بعد المعركة.

ما أراد المقال لفت الانتباه إليه هو السلوك السياسي لأبو عمار وفتح بعد الحرب واستثمارها في إنشاء علاقات والحصول على دعم، وهذا بالمناسبة سجله وأقره قائد فتح الشهير صلاح خلف أبو إياد في كتابه “فلسطيني بلا هوية”.

المقال الأخير طرح فكرة المقارنة بين سلوك فتح حينها عام 1968 وبين سلوك حركة حماس بعد معركة سيف القدس الأخيرة. والواقع أن هذه الملاحظة ذكية وهامة ولها ما يبررها، عندما ننظر إلى محتوى جولات قادة حماس في الخارج. هناك فعلا ما يستحث النقاش.

أخيرا، ومع آخر حركة لأصبع القارئ الذي واصل معي لهذه اللحظة، أود أن أسأل: ألا يمكننا (في الأردن بالذات) أن نستعيد شيئا من هدوء الآباء والأجداد في النقاش؟ وشيئا من رفعتهم وترفعهم أيضا؟

تسلم أصابعكم..

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

حين يكتب رجال الأمن سطور السيادة بالدم

الدكتور أحمد الطهاروة – الأول نيوز – في كل مرة يواجه فيها الأردن خطرًا داخليًا …