روح الطفولة

 

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – سألتُ يومًا أحد الفلاسفة: من هو الإنسان المرتاح البال؟ فأجابني: هو الذي يتحلَّى بروح الطفولة في حياته. فسألتُ من جديد: وما روح الطفولة وكيف يحافظ عليها الإنسان أو يفقدها؟

فأجاب: لا ترتبط روح الطفولة بعمر معيَّن بل بذهنيَّة معيَّنة. وروح الطفولة بعيدة جدًّا عن الطفولة بحدِّ ذاتها. فالطفولة تطال عمرًا محدَّدًا وتتوقَّف عند الثامنة عشرة من العمر. بينما روح الطفولة قد ترافق الإنسان طوال حياته مهما تقدَّم به العمر. وإن شئتَ أن أفسِّر لك ماذا أعني فاسمعْ: روح الطفولة هي روح البراءة والبساطة. يفقدها الإنسان عندما تدخل روح الشرّ في تصرُّفاته أو أقواله أو حتَّى تفكيره. بمعنى آخر وبشكل مبسَّط، روح الطفولة عندما يلعب الإنسان مع أخيه الإنسان، أمّا كيف يفقدها فعندما يلعب الإنسان على أخيه الإنسان. روح الطفولة عندما يضحك الإنسان مع أخيه الإنسان، ويفقدها عندما يبدأ الإنسان بالضحك على أخيه الإنسان. روح الطفولة عندما يتكلَّم الإنسان مع أخيه الإنسان بكلِّ براءة وصفاء ضمير، ويفقدها عندما يتكلَّم الإنسان على أخيه الإنسان. وأخيرًا روح الطفولة عندما يأكل الإنسان مع أخيه الإنسان على مائدة واحدة بكلِّ محبَّة وبنيَّة صافية، ويفقدها عندما يبدأ الإنسان “يأكل” أخاه الإنسان.

وعند السؤال: وتكلَّمت عن فقدانها، ولكن كيف السبيل للمحافظة عليها؟ تابع قائلاً: عندما يتصرَّف الإنسان بعفويَّة مطلقة دون التفكير بالسوء أو بنيَّة سيِّئة. يحافظ عليها الإنسان عندما يتعاطى مع الآخرين دون أن يُضمر الشرَّ لهم ولا يسعى وراء استغلالهم. عندما يعمل لأجل خير الآخرين ونموِّهم لا لتحطيمهم وإذلالهم. عندما يتعالى عن الصغائر ويترفَّع عن الكبائر، ويسعى إلى النظر إلى الصفات الحسنة في الآخرين لمدحهم، وإلى النقائص لتنبيههم عليها بروح المحبَّة والألفة وبطريقة لطيفة ومنفردة؛ عندما يعمل جاهدًا لأجل تقدُّم الآخرين وبنيانهم لا للسعي إلى احتقارهم والهزء بهم.

وتتابعت الأسئلة: ولكنَّنا في عصر يُقال فيه: “إن لم تكن ذئبًا أكلتكَ الذئاب”. فأجابني: روح الطفولة تعني أيضًا روح التمييز بين الخير والشرّ، بين الإنسان الصالح والإنسان الطالح، بين ما هو حسن وما هو رديء. يكفي في المجتمع أن تقترب من هؤلاء وتبتعد عن أولئك.

وكيف السبيل إلى معرفة الصالح من الرديء إن كان الأردياء يضمرون لك الشرّ؟ فكان جوابه الأخير: لا تعقِّد الأمور؛ اعملْ بحسب ضميرك ولا تلتفت إلى حسنات الآخرين وسيّئاتهم لتعرف إن كانوا يستحقُّون المعاملة الحسنة أم لا. عشْ طبيعتَكَ ولا تدعِ الآخرين يؤثِّرون على تصرُّفاتك بسبب تعاملهم السيِّئ معك. روح الطفولة لا تبحث عن فكر الآخر لتعرف كيف تتصرَّف معه، بل تتحلَّى بفكر بنَّاء تسعى أن تنقله إلى الآخرين.

من يتحلَّى بروح الطفولة في عصرنا هو حقًّا يتحلَّى بروح البطولة في عصر طغى فيه الجسد على الروح والمادَّة على الفكر، والفكر الخبيث على الفكر الصافيّ النقيّ. ويبقى هناك أفراد يعيشون بروح طفوليَّة يفتِّشون عن وردة حمراء وسط حديقة من الأشواك.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي …