بين الجهل والمعرفة خطوة

 

 

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – تعرَّفتُ مؤخَّرًا إلى شابٍّ ولكنَّني اكتشفتُ أنَّه ينتمي إلى دين آخر غير ديني. فاستشرتُ صديقًا لي أعرف أنَّه كان صديقًا وفيًّا لشابّ ينتمي هو الآخر إلى دين آخر. فأخبرني عنه ما يلي: عرفته منذ صغري. وكنَّا رفيقَي الصفّ الواحد. وظللنا صاحبين حتَّى بعد انتقالنا إلى المرحلة الجامعيَّة. كلُّ واحد منَّا توجَّه إلى اختصاص اختاره. ولكنَّ ذلك لم يمنع أن نلتقي يوميًّا في ملعب الجامعة أو في الكافيتريا. قيل لي أكثر من مرَّة أن أبتعد عنه فهو ليس من ديني، ولكنَّني لم أستمع لأحد. كما كان يُخبرني أنَّه يجد صعوبة مع أترابه عندما كان يكلِّمهم عنّي، فينصرفون عنه.

كنتُ يومًا عائدًا من الجامعة وتعرَّضت لحادث سير كاد يودي بحياتي. فلم أجد بقربي سوى ذلك الصديق الذي رافقني إلى المستشفى وطلب من أهلي أن يسهر عليَّ بذاته. ظهر فعلاً خير صديق، “والصديق وقت الضيق”. لم أعرف كيف أردُّ له الجميل، إلى أن احتاج يومًا إلى بعض المال ليفتح له محلاًّ تجاريًّا لبيع الساعات، فاستدنتُ من أحد البنوك مالاً وقدَّمته له. فعظمتُ جدًّا في عينيه ولم يعد يترك مناسبة إلاَّ ويقدِّم لي أجود ما يأتيه من ماركات للساعات، وفي المرَّة الأخيرة، قدَّم لي ساعة إلكترونيَّة موصولة بالهاتف النقَّال مردِّدًا كلَّ مرَّة: “لولاك لما كنتُ استطعتُ فتح محلٍّ للساعات”، بعد أن سدَّد بذاته كلَّ المبلغ الذي استدنته.

كنَّا نتبادل تهاني الأعياد الكبيرة ونجتمع دومًا على الطعام لنتشارك فرحة العيد، فكان أهلي بمثابة أهله، وأهله بمثابة أهلي. ولم يعكِّر صفو حياتنا أيُّ عائق أو مانع.

يوم زفافه، وإذ كان وحيدًا، اختارني لأكون شاهدًا على هذا الزفاف، وقال لعروسه عنّي: “عليك أن تعتبريه أخًا لي ويأتي هنا إلى بيته ساعة يشاء”. وفي ليلة مشؤومة، وبينما كان عائدًا إلى بيته، وقع بأيدي لصَّين سرقاه وتركاه بين حيٍّ وميت. ولكنَّه لم يلبث أن فارق الحياة أثناء نقله إلى المستشفى، تاركًا وراءه ولدين صغيرين. أقفلت زوجته الباب على نفسها وعلى ولديها مدَّة، ولم تكن تسمح لأحد بزيارتها سوى أهلها وأهل زوجها وسواي أنا وزوجتي. وظللتُ أحاول إقناعها حتَّى قبلت أن تفتح المحلَّ من جديد وتستثمره لمتابعة حياتها وحياة ولديها، كان شرطها الوحيد، أن ترافقها زوجتي إلى المحلّ يوميًّا في المرحلة الأولى. ولكنَّها بعد مضيِّ شهر واحد، أبت إلاَّ أن توظِّف زوجتي لديها في المحلّ، وهما اليوم تقضيان معًا النهار كلَّه في المحلّ وتعودان سويَّة إلى البيت.

ثمَّ التفت إليَّ قائلاً: لا تخف أن تبني علاقة صداقة مع أحد من دين آخر، بين الجهل والمعرفة خطوة واحدة. من تجهله تخاف منه، ومن تعرفه تخاف عليه، بل تستطيع أن تبني معه علاقة محبَّة صادقة. فلو أنَّ كلَّ إنسان يتعرَّف إلى امرئ من دين آخر، لتكسَّر الجليد بين الأديان وتباعد الحكم المسبق على الأشخاص، وعاش الناس بوئام وسلام. بكلمة، كلُّ الأديان وُجدت أساسًا لتقود إلى نبع واحد!

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المخدرات خربت عقول أبنائنا

الاول نيوز – شفيق عبیدات –   كان يوما مفجعا ومروعاً وحزينا يوم أصبحنا على …