الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – يردِّد اللبنانيُّون أحيانًا كثيرة بعد وقوع مصيبة ما: “الله ينجِّينا من الأعظم”، أي لينجِّنا الله من مصائب أعظم من سابقاتها.
لم يعرف لبنان الحديث مرحلة من الراحة والاستقرار. بعد أربعمئة سنة من سيطرة العثمانيّين على منطقة الشرق الأوسط، وهي فترة تُعتبر فترة مظلمة لا على لبنان وحسب، بل على سائر البلدان التي خضعت لسيطرة العثمانيّين، مرَّ لبنان بالضيق والشدَّة والجوع والحرمان والموت خلال الحرب العالميَّة الأولى. فكان اللبنانيُّون يردِّدون: “الله ينجِّينا من الأعظم”.
ثمَّ وقع لبنان تحت الوصاية الفرنسيَّة، وعُرفت تلك الفترة بالانتداب الفرنسيّ، إلى أن يصبح لبنان قادرًا على تحمُّل مسؤوليَّاته بذاته. وفي سنة 1943، بعد صراع دامٍ مع حكومة فرنسا، منحت فرنسا الاستقلال للبنان، بينما العالم يرزح تحت وطأة الحرب العالميَّة الثانية، واللبنانيُّون يصرخون قائلين: “الله ينجِّينا من الأعظم”.
في الفترة الأولى من الاستقلال، عاش لبنان ازدهارًا فريدًا، حتَّى سمَّاه بعضهم “سويسرا الشرق” لما تحلَّى من ازدهار ونموّ اقتصاديّ وتجاريّ وعلى صعيد السياحة، فيأتي السوَّاح من كلِّ حدب وصوب ليرتاحوا تحت سمائه الزرقاء وفي ربوع جباله الخضراء وشمسه الساطعة خلال الصيف أو في ربوع جباله البيضاء المكسوَّة بالثلوج خلال فصل الشتاء. وبالرغم من هذا الازدهار، لم يخلُ الوضع من بعض الثورات الداخليَّة التي حصلت استنكارًا لنقص في الموادّ الغذائيَّة، أو احتكار لبعض الموادّ الأخرى… واللبنانيُّون يردِّدون: “الله ينجِّينا من الأعظم”.
وأتت الحرب الخارجيَّة على لبنان سنة 1975، والتي دُعيت خطأً “بالحرب الأهليَّة”، فعاش اللبنانيُّون سنوات من التشرُّد والدمار والاختباء في الملاجئ والهرب إلى الأماكن الآمنة. ودُمِّرت بيروت، لؤلؤة الشرق، بأيدي الحقد والضغينة. وصبر اللبنانيُّون مردِّدين: “الله ينجِّينا من الأعظم”.
وتلت تلك الحرب حروب أخرى أبرزها “حرب الإلغاء” و”حرب التحرير”، وعانى اللبنانيُّون من الأمرَّين، لاسيَّما عندما راح الأخ يقاتل أخاه، والقريب يحارب ضدَّ القريب، وابن البلد الواحد يقوم على ابن بلده… ولسان حال اللبنانيِّين يقول: “الله ينجِّينا من الأعظم”.
وأتى وباء الكورونا الذي شلَّ الحركة بشكل قاطع، فازداد الفقراء فقرًا، وافتقرت الطبقة المتوسِّطة، وطرقَ الجوع أبواب الكثيرين، وراح ينهش في أجسام العجزة والأطفال، فكثرت السرقات، وتفاقم الشرّ، واللبنانيُّون صابرون وعلى ألسنتهم العبارة ذاتها: “الله ينجِّينا من الأعظم”.
وأخيرًا أقبل الرابع من آب، ذلك اليوم المشؤوم الذي قضى على آخر حلم من أحلام اللبنانيِّين. انفجار مرفأ بيروت، الذي عُدَّ أكبر انفجار تمَّ في عصرنا هذا، فسكت الكلام والتصق اللسان بالحنك، ولم يتجاسر اللبنانيُّون على الكلام. وسقط سعر صرف الليرة اللبنانيَّة، وفُقدت الموادُّ الغذائيَّة الأساسيَّة من السوق مع الأدوية، وانقطعت الكهرباء والمياه والبنزين…أتراه هناك أعظم من هذا؟
وبالرغم من هول المصاب وعظمته، وبالرغم من سقوط ما يزيد على مئتي ضحيَّة، وعلى أكثر من ستَّة آلاف جريح، مع دمار شبه كامل للمنطقة الشرقيَّة من بيروت، ما زال اللبنانيُّون يحلمون بغدٍ أفضل وهم يردِّدون: لو لم يبقَ لنا سوى نبض واحد، سنقوم مجدَّدًا ونقف على أرجلنا ونتابع المسيرة. فلن نخاف من انفجار ولا من حرب ولا من ثورة. فإلهنا هو الأعظم ولا شيء يتمُّ إلاَّ بمعرفته وعلمه، وهو يعرف خيرنا أكثر منَّا، فعليه الاتِّكال!