“اجمع ما شئت”

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز –  “اجمع ما شئت سترحل كما جئت”. لفتتني هذه المقولة، قرأتها عبر إحدى شبكات التواصل الاجتماعيّ، فانطلقت منها.

ما زالت صورة رجل أعمال غنيّ لا تبرح ناظريَّ، وهو صاحب ثروة كبيرة، جمعها بالاحتيال والنصب، والكلُّ يحترمونه ويجلُّونه. صورته ماثلة أمامي، وهو يطفح – أو ما تبقَّى منه –على سفح مياه البحر جثَّة هامدة، بعدما انفجرت سيَّارته المحصَّنة فيه ومن معه، وهو لم يبلغ الخمسين من العمر. لم تستطع أمواله كلُّها أن تردَّ عنه الموت. فمات محروقًا مرميًّافي الماء أشلاءكالخرق المنتَّفة.

ولا ثروة ذاك التاجر الكبير الذي أصيب بداء السرطان لم يمهله أكثر من أسبوعين، استطاعت أن تزيد يومًا واحدًا على حياته، وهو في ريعان الشباب.

وإن شئنا أن نعدِّد ما حصد الوباء والداء والمرض من أطفال وشبيبة وكهول لأحوجتنا مجلَّدات كثيرة. ولكنَّ البشر لا يتَّعظون. يركضون وراء المال، والمال ينفر منهم؛ بينما يهربون من الموت والموت يلاحقهم. متى يدرك الناس أنَّ حياتهم مهما طالت لها نهاية؟ ومتى يكتشفون أنَّ الثروة مهما عظمت لا تطيل يومًا واحدًا من عمر الإنسان؟

تعرَّفتُ إلى عجوز جمع في حياته ثروة طائلة بعرق الجبين. قال لي: “عندي أولاد ثلاثة. بنيتُ لكلِّ واحد منهم بيتًا فخمًا بعيدًا عن أخيه. ولم أعطِ واحدًا منهم فلسًا واحدًا، بل علَّمتهم وزوَّجتهم وقلتُ لهم: اعملوا بعرق جبينكم وكلوا. لم أنقطع يومًا عن فعل الخير، كلُّ من طرق بابي وجده مفتوحًا أمامه. ماتت زوجتي منذ سنتين وها أنا أستعدُّ لملاقاتها، فأنا مصاب بالسرطان وفي مراحله الأخيرة. اقتطعتُ قسمًا صغيرًا من ثروتي لأعيش منه، ووزَّعتُ بقيَّة المال على المؤسَّسات الخيريَّة. ما يفضل عنّي يفعل به أولادي ما يشاؤون. أعلم جيِّدًا أنَّني لو قسَّمتُ ثروتي على أولادي لاستخفُّوا بالعمل وصرفوا المال على الطيش واللهو. ثمَّ أمضوا بقيَّة حياتهم في العوز والحرمان. أمّا اليوم فهم مرتاحون في أعمالهم ولكلِّ واحد منهم ثروتهالخاصَّة. أستعدُّ للموت وأنا مرتاح الضمير”.

وبالفعل، لم يمضِ شهر واحد حتَّى انتقل هذا العجوز إلى جوار زوجته. ويوم دفنته ردَّد المعزُّون: “ليرحمه الله، كان كريمًا معطاء، عرف كيف يعيش كريمًا وكيف يموت كريمًا”. أمّا أولاده فساروا على خطاه وما تركه لهم قدَّموه لبناء مستوصف خيريّ مجَّانيّ، كرَّس كلُّ واحد منهم مبلغًا شهريًّا لاستمراره.

كم جميل على الإنسان أن يكوِّن ذاته بذاته، وإن كان ذلك صعبًا. ولكنَّ الصعوبة الأكبر هي أن يقتنع أنَّ ثروته مهما عظمت لن يستطيع أن يأخذ منها معه دينارًا واحدًا.

يا ليتنا نتَّعظ ممَّن مرُّوا قبلنا، ونكتشف أنَّ حياة الإنسان مهما طالت لا بدَّ من أن تنتهي يومًا. والثروة مهما كثرت لا تستطيع أن تحول دون الموت. فعشْ كريمًا أيُّها الإنسان ومتْ كريمًا! وإن جمعت ما شئت سترحل كما جئت.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

القوي في الداخل، قوي في الخارج !!

محمد داودية – الأول نيوز – تستحوذ قضايا الإصلاح الاجتماعي على نزر يسير من اهتمامات …