لا يقتل إلاَّ صاحبه

 

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – نعيش في عصر كثرت فيه المشاكل والهموم والخصومات والتناحرات والمشاجرات التي لا طائل لها، والمجادلات التي تفرِّق أكثر ممَّا تجمع؛ بالإضافة إلى ما نسمع هنا وهناك من تصلُّب رجال السياسة والسلطة، مع غلاء المعيشة واحتكارات للموادِّ الأوَّليَّة والضروريَّة والأساسيَّة من أدوية وحليب وسواها… بات المواطن العربيّ لا يؤمن بمسؤولي بلاده السياسيِّين والاقتصاديِّين لما “يتحلَّون” به من فساد.

ولا نكتفي بما يقوم به رجال السلطة من أعمال نهب وسرقة، حتَّى تأتي النار على مساحات كبيرة من جبالنا الخضراء لتقضي على متنفَّس حيويّ وصحّيّ وضروريّ للإنسان.

وفي خضمِّ هذه الأحداث المتراكمة تأتي إلى ذهني حادثة أخبرني إيَّاها مؤخَّرًا رفيق لي من لبنان، تركت فيَّ الأثر الكبير. قال:

“طُردتُ من عملي بعدما أمضيتُ فيه خمس عشرة سنة، أعمل بكلِّ تفانٍ وإخلاص. طُردتُ لأنَّ الإنتاج أضحى ضئيلاً، ولم تعد الشركة تستوعب عددًا كبيرًا من الموظَّفين. بالرغم من ذلك، شكرتُ الربَّ لأنَّ لديَّ عملاً خاصًّا، يحتاج إلى مواكبة أدقّ، فصرتُ قادرًا أن أخصِّص له وقتي كاملاً. ولكن، أتى الرابع من آب 2020 وحمل معه الضربة القاضية على مشاريع كثيرة بما فيها مشروعي الخاصّ، فصرتُ على الحضيض. طرقتُ باب السياسيِّين فلم ألقَ جوابًا، ثمَّ توجَّهتُ إلى الجمعيَّات الخيريَّة فلم أنل سوى النذر القليل. طار صوابي، ماذا أعمل، ولديَّ أولاد ثلاثة؟ أعلنتُ الثورة على الحكَّام مع الثائرين، والحقد يعتمر قلبي وعقلي يومًا بعد يوم. وبعد أقلّ من ثلاثة أشهر، تعرَّضتُ لجرحة في القلب، نُقلتُ على أثرها إلى المستشفى. وبعد إجراء الفحوصات اللازمة، تبيَّن أنَّ المعدَّل التراكميّ للسكَّر في الدمّ عالٍ جدًّا.

“خلال فترة أربعة أشهر، خسرتُ عملي ومؤسَّستي وتدهورت صحَّتي بسرعة كبيرة، حتَّى شعرتُ أن عمري زاد عشرين سنة في فترة قصيرة. توجَّهتُ إلى طبيب اختصاصيّ لمرض السكَّري، وكان رفيق الدراسة. فقال لي بالحرف الواحد: “عليك أن تبدأ بأخذ الأدوية لمرض القلب ومرض السكَّري. لكنَّني أنصحك نصيحة من أخ لأخيه: لا تحقد على أحد، فالحقد لا يقتل إلاَّ صاحبه. وما أُصبتَ به هو مرض العصر، ومعظم شعوبنا العربيَّة تقع فيه بسهولة. فهو ليس نتيجة الإحباط والحزن فقط، بل هو بالأكثر نتيجة الحقد الذي يملأ القلب. فمهما أخذت من أدوية، تبقى مسكِّنة لا شافية. والحلُّ الوحيد هو أن تنزع الحقد من قلبك”.

“لم يكن من السهل أن أتغلَّب على الحقد الساكن في قلبي، لكنَّني عملتُ جاهدًا بنصيحة الطبيب. صرتُ أمارس الرياضة يوميًّا، لاسيَّما رياضة المشي، فتغلَّبتُ على تفكيري الأسود، بل على المعدَّل العاليّ للسكَّر في الدم، وصرتُ أرى الأمور بوضوح أكبر، واستطعتُ أن أبدأ من جديد بمؤسَّستي الناشئة ولم يمضِ ستَّة أشهر حتَّى وقفتُ على رجليَّ، وصرتُ أرى أن الحياة تضحك لي مجدَّدًا.”

أيُّها القارئ النجيب، إن شئت أن تعيش مرتاحًا خذْ بنصيحة هذا الطبيب ولا تحقد على أحد، لأنَّ الحقد لا يقتل إلاَّ صاحبه.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

أحد الشعانين بين حرية العبادة في الأردن وتقييدها في القدس

القس الأب سامر عازر – الأول نيوز –   يصادف يوم الأحد الموافق الخامس من …