الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – ما أصعب على المرء عندما يشعر أنَّ حياته تذهب سدى! عندما كان طفلاً يحلم بأنَّه يوم يكبر يستطيع أن يقتدي بالكبار في أمور كثيرة، ويفعل ما يشاء، فيسهر الليالي ويقود السيَّارات ويشرب الخمرة ويدخِّن السجائر، والأجمل من كلِّ تلك الأشياء يحلم أنَّه انتهى من المدرسة التي تسرق منه أوقات اللعب والتسلية، بل أجمل أيَّام طفولته!
وعندما يكبر يحاول أن يحقِّق كلَّ ما حلُم به وهو طفل، فيشعر في البداية بالسعادة تغمر قلبه، لدى أيِّ مشروع جديد يقوم به، ولكنَّه بعد فترة يشعر برتابة الأمور؛ فيفكِّر مجدَّدًا يا ليته يستطيع أن يعود طفلاً ليستفيد من كلِّ دقيقة مرَّت وهو يحلم بأن يصبح كبيرًا. وكثيرون ممَّن يعيشون هذه الحالة يخسرون طفولتهم وشبابهم.
يا ليتنا لا نفكَّر إلاَّ بالحاضر كيف نجعله مفيدًا لنا وللآخرين. لا قيمة للحياة إلاَّ إذا عرفنا كيف نستفيد نحن من اللحظة الآنيَّة. قيمة الحياة بالنسبة إلى كثيرين، لا في ما يقدِّمونه لها بل في ما يأخذونه منها؛ لذلك يحسُّ الإنسان بالضجر أو باليأس، بالرغم من كلِّ ما يحيطه من أمور جيِّدة أم تافهة، من مغريات وتسليات كثيرة تمرُّ في حياته، ويشعر أنَّ الحياة لا قيمة لها.
ولكن عندما يصبح المرء فاعلاً ومنتجًا، عندئذٍ تتغيَّر قيمة الحياة بالنسبة إليه، فلا تعود في ما يأخذ بل في ما يقدِّم. وهنا تنقلب المعادلة. فلا يعود المرء يحسُّ بالضجر أو باليأس، إذ يصبح كلُّ همِّه في ما يقدِّمه للحياة وللآخرين.
وكثير من الذين يبلغون سنَّ التقاعد يشعرون أنَّ حياتهم انتهت لأنَّهم ما عادوا قادرين على تقديم أيِّ شيء للحياة فيفقدون معناها وقيمتها. بينما كثيرون آخرون يكتشفون أنَّ حياتهم بدأت فعلاً بعد سنِّ التقاعد، لأنَّهم يتفرَّغون لتربية أحفادهم وهي متعة بحدِّ ذاتها بعدما مرَّت سنوات كثيرة على تربيتهم أولادهم، أو كانوا منشغلين بأعمالهم عندها، وتقاعسوا بعض الشيء عن الاهتمام بأولادهم الاهتمام الكافي. كما أنَّ آخرين يجدون الوقت مناسبًا لاكتشاف العالم فيخصِّصون أوقاتًا للسفر والترحال؛ وآخرون يعملون في الأرض أو يدوِّنون الكتب أو يرسمون اللوحات الزيتيَّة وسواها… وكم جميل في هذا العمر – كما في كلِّ الأعمار – مَن يفكِّر في خدمة الآخرين، لاسيَّما الأكثر حاجة! فالجمعيَّات الخيريَّة تحتاج أيضًا إلى متطوِّعين، وكم تفتقر إلى اليد العاملة والعقل المدبِّر اللذين يخدمان بسخاء مكرِّسين وقتًا كافيًا للأعمال الخيريَّة!
الإنسان بحدِّ ذاته يعطي قيمة لحياته أو يفقد معناها. فلا تُدخل اليأس إلى قلبك ولا الضجر، في أيِّ عمر كنت، بل اسعَ جاهدًا أن تكون مفيدًا للمجتمع الذي أنت تعيش فيه. هيَّا شمِّر عن ساعديك وانزل إلى ساحة العمل ولا تتلكَّأ ولا تقل أبدًا “أنا ضجر”، بل بفضل عملك ونشاطك، أيًّا يكن هذا العمل، تستطيع أن تقول: “لا وقت لديَّ للراحة ولا للضجر”!