راسم عبيدات –
الأول نيوز – هو اشتباك مستمر وصراع مفتوح؛ احتلال يحاول بكل الطرق والوسائل قتل إرادتنا وتحطيم معنوياتنا، وضرب روحنا المعنوية؛ يريد أن يفرض علينا الاستسلام الكامل، ويريد أن يخلق هالة كبيرة عن قوته وجبروته وتفوقه الأمني والعسكري والاستخباري… ويريد أن يوصل لنا رسائل بأن “الكف لا يناطح المخرز” وبأن خيار المقاومة، ليس كما يقول لكم السيد وغيره من المتمسكين بهذا النهج والخيار، أنه أقل من كلفة الاستسلام، فهذا الخيار كلفته عالية جداً، وليس أمامكم إلا القبول بما يلقى اليكم من “عظمة” و”فتات“.
صحيح بأن إعادة اعتقال أربعة من قادة عملية “نفق الحرية”؛ تعد خسارة كبيرة، ولكن عملية الاعتقال تلك واحدة من السيناريوهات المتوقعة، وليس بالشيء الخارق، في ظل دولة جندت كل أجهزتها العسكرية والأمنية والاستخبارية والمخابراتية ووحدات المستعربين والمتعاونين والطائرات المسيرة والاستشعار الجوي وكل الوسائل التكنولوجية والتجسسية، لملاحقة ومطاردة ستة أسرى في بقعة جغرافية محصورة، حيث الحواجز العسكرية تفصل الداخل الفلسطيني- 48 – عن الضفة الغربية، وكذلك الحدود المقفلة مع لبنان وسوريا والاردن وقطاع غزة.
عملية “نفق الحرية”؛ أحدثت هزة في دولة الاحتلال، ليس لأن هذه الدولة المبني وجودها على الأمن والعسكر أصيبت في عصبها الرئيسي، بل لأن هذه العملية حملت رسائل للمحتل، بأن الأدمغة الفلسطينية قادرة على أن تصنع المستحيل؛ قادرة أن تتغلب على كل تحصينات الاحتلال الأمنية وتوجه ضربة قاصمة لتفوقه الأمني والعسكري.. فقبل أربعة شهور على وجه التحديد صواريخ المقاومة التي انطلقت من غزة نصرة للقدس والأقصى؛ استطاعت أن توجه ضربة قوية لمصانع السلاح الإسرائيلي “رفائيل”، هذه الصواريخ؛ اخترقت وتجاوزت “القبة الحديدية”؛ السلاح الأكثر فعالية في مجابهة الصواريخ قصيرة وبعيدة المدى، وليسقط عدد لا بأس منها في قلب وعمق دولة الاحتلال.. ولكي تجعل وزارة الدفاع الأمريكية؛ ترفض شراء نظام “القبة الحديدية” وتختار بديلاً عنها شركة “Leidos” المنتجة للقاذفة ” Dynetics” بديلاً عن القبة الحديدية. كذلك هذه العملية كشفت بأن دولة الاحتلال تواجه عملية ضعف واهتراء وتآكل وتراجع، كما أنها طعنت بفعالية مؤسساتها العسكرية والاستخبارية والإدارية والقضائية في ردع المقاومين الفلسطينيين، وتقديم السجن المؤبد كنهاية حتمية لجيل المقاومين القادة؛ إعلاناً بإخراجهم نهائياً من حلبة الصراع.
وقبل الحديث عن المعادلات الجديدة وصعود القوس الفلسطيني وهبوط القوس الإسرائيلي في معادلات الردع وموازين القوى… لا بد لنا من القول بأنه علينا أن نغادر الحالة الانفعالية والعاطفية ولغة “الخبطات”، والتعاطي مع ما ينشره ويبثه إعلام العدو الموجه من قبل أجهزته وأذرعه الأمنية كمسلمات ،فهذا المحتل له الكثير من الأهداف في عمليات البث والنشر، في مقدمتها ضرب الحالة النفسية والمعنوية عند شعبنا، وقتل روحه الواثبة، واستعادة الثقة والهيبة بأجهزته الأمنية التي جرى اختراقها في أكثر سجونها تحصينا وأمناً، كيف يحدث هذا ودولة الاحتلال تقدم نفسها على أنها تمتلك الأسلحة والأجهزة الأكثر تطوراً وتقدماً في التجسس؛ برنامج “بيغاسوس” الذي من خلاله تجسست على الكثير من دول العالم بما فيهم حلفائها؟ وكذلك المحتل يريد لروايته أن ترسخ في أذهان وعقول شعبنا وأمتنا، بحيث تحتل كل المنصات ووسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام مرئية ومسموعة ومقروءة… والشيء الأخطر هنا العمل على “تطويع” وعينا وجعلنا قابلين لما يبثه وينشره من أخبار على أنها الرواية الصحيحة، والتي تهدف إلى إحداث حالة من البلبلة والإرباك في صفوفنا، بل وأبعد من ذلك الإطلاقية في الأحكام، بأن سقوط فرد أو مجموعة ووشايتها بهذا المناضل أو ذاك؛ يجري سحبه بالكامل على بلدة أو قرية أو مدينة أو فئة أو طائفة بكاملها، بل وحتى نشر صور وأسماء لأشخاص ليس لهم علاقة بالقضية من قريب أو بعيد على اعتبار أنهم المسببين في إلقاء القبض على الأسرى.
عملية “نفق الحرية”، ليست مقطوعة السياق، بل أتت في سياق متلاحق، وتزخيماً وتركيماً لمسار يبشر بلحظة نوعية قادمة. نحن ندرك جيدًا أن المحتل بعد النكبة استخدم كل الوسائل المشروعة وغير المشروعة” وطوع” الأنظمة والقوانين، واستخدم كل أساليب التخويف والترهيب من أجل “تذويب “وطمس وجود شعبنا، ونزع صفة الشعب عنه، لدمجه في المجتمع الصهيوني ومؤسساته، ولكن بقيت الإرادة الفلسطينية حاضرة والحركة الوطنية الفلسطينية هناك بكل مكوناتها؛ أفشلت تلك المشاريع والمخططات، وأصرت على أن شعبنا هو أصل البلاد، له هويته وقوميته وحقوقه الوطنية والسياسية.. هذا الشعب العظيم الذي دافع عن وجوده، هو جذر وأصل الحكاية، رغم أن أوسلو الكارثي؛ قطع الوصل ما بين تجمعات شعبنا، وأخرج داخلنا المحتل- 48 – من معادلة الصراع، ولكن جاءت معركة “سيف القدس “، لكي تعيد ما قطعه أوسلو، ولكي تؤكد على حقائق الصراع وأساسها بأن هذا الشعب، لن ينسلح عن وطنيته ولن يتخلى عن حقوقه، وشعبنا هناك في مشاركته في الانتفاضة الشعبية العارمة؛ ألغى توصيفه بشكل نهائي ب”عرب إسرائيل”؛ مستعيداً دوره ومعيداً إنتاج موقعه الحاسم في النضال الوطني الفلسطيني على قاعدة رفض الاستيطان والاحتلال، وكذلك المشاركة الفاعلة من قبل أهلنا وشعبنا في هبات نيسان الماضي المقدسية باب العامود الأقصى والشيخ جراح؛ تؤكد على مركزية ودور اهلنا وشعبنا في الداخل الفلسطيني- 48- في النضال الوطني الفلسطيني، ولم تكتفِ الحركة الوطنية بهذا، بل يسجل لها رسم معادلة ردع جديدة، بإعادة بلداتنا ومدننا المختلطة؛ اللد نموذجاً كجزء أصيل من الجغرافيا الفلسطينية، حيث سعى المحتل لطرد وتهجير شعبنا، وكذلك فعلت كارثة أوسلو؛ فعشرات العائلات الصهيونية هجرت تلك المدن المختلطة.
ألم تأت معركة “سيف القدس” لتقول بوحدة المصير والمسار بين القدس وقطاع غزة..؟ ألم تأت معركة القدس، لكي تحكم الربط بين حلقات حكومات وقوة ومحور المقاومة وترسم معادلة القدس بالحرب الإقليمية..؟ ألم تحدث تلك المعركة تراجعاً في الدعم السياسي والتآكل في سمعة وهيبة والثقة بجماعة “التفاوض من أجل التفاوض”، ولتصل سلطتهم إلى حافة الانهيار؟.
التحولات الجارية فلسطينياً، هي ليست مقطوعة الجذور عما يحدث من متغيرات متسارعة إقليمية ودولية، حيث نشهد تراجع في الهيمنة والسيطرة الأمريكية ومعها دولة الاحتلال، وتتوالى الهزائم عليهما؛ فلبنان لم يسقط ولم يبحر نحو التطبيع، بل جاء قرار السيد بجلب النفط من إيران ليرسم معادلات جديدة في البحار، وليجبر أمريكا على التسليم بها في البر، من خلال التسليم بكسر قانون “قيصر” وحصار لبنان وسوريا؛ اقتصاديًا… ومن بعد ذلك أتت عملية بسط السيطرة السورية على درعا، تحت أعين قاعدة “التنف” وعلى حدود القواعد العسكرية الأمريكية على حدود العراق وسوريا والجولان المحتل، وما سبق ذلك من هزيمة مدوية لأمريكا في أفغانستان.
أنا واثق بأن عملية “نفق الحرية” البطولة والإستثنائية بكل المعايير، لا تقرأ فقط عند حدود البطولة والإرادة والعزم، بل تقرأ فيما تحدثه من مسار تراكمي يضع المحتل بين خياري منازلة وحرب شاملة، قد تشكل تهديد وجودي له أو ربما هي تكون آخر حروبه، أو القبول بمساكنة تزيده ضعفاً وتراجعاً استراتيجياً؛ تمنح محور المقاومة مساحات جديدة في توازن الردع والتحرير على قاعدة “القدس أقرب“.