الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – كان لديَّ ديك روميّ جميل جدًّا. له ريشٌ متعدِّدُ الألوان، ويملك صوتًا شجيًّا يصدح به معلنًا طلوع الفجر، وعلى مرِّ ساعات النهار. كان معجبًا بذاته، يختال مرفوع الرأس كملك وسط مملكة الدجاج. ولكنَّ صوته العالي كان يزعج الجيران كثيرًا، فتأفَّفوا كثيرًا حتَّى عقدوا العزم على ذبحه أو إطلاق النار عليه إن لم أجد له حلاًّ. فاضطررتُ إلى ذبحه وإراحة الجيران من صوته العالي. بينما الدجاجات ذاتها لا تصدر صوتًا عاليًا إلاَّ متى باضت بيضة، وهي تقضي نهارها بالبقبقة بصوت خافت. فالجميع يتكلَّم عن الدجاج وفائدتها أمَّا المتكلِّمون عن الديَكة فهم قلَّة.
هذه حالنا في أيَّامنا الحاليَّة، فكلُّ من رفع صوته عاليًا يسكتونه بل يحاولون أن يتخلَّصوا منه بأيَّة وسيلة. بينما يهتمُّون بالذين يثرثرون كثيرًا ويتبجَّحون بما يقومون به من أعمال “عظيمة” ومآثر “جليلة”…
عرفته رجلاً ثوريًّا لا يترك مناسبة إلاَّ وينتقد فيها السلطة والحكم والسياسة. كان لكلامه وقع كبير على السامعين، يجدون فيه صوتهم، مردِّدين: “أنت صوت الذين لا صوت لهم”. وجدتِ السلطة فيه رجلاً خطيرًا لا يمكن التغافل عنه، حاولت إسكاته بشتَّى الوسائل فلم يرتدع، بل زاد مطالبة بالعدل والإنصاف. وأخيرًا، وجدت السلطة الحلَّ المناسب، فأعطتِ الرجل منصبًا في إحدى أهمِّ مكوِّناتها، فأضحى “حملاً” وديعًا، مردِّدًا كلام السلطة، مدافعًا عن قراراتها وتصرُّفاتها…
هذه هي اللعبة السياسيَّة في كلِّ مكان؛ إمَّا إزالة صوت الصارخ في برِّيَّة هذا العالم، أو إعطاؤه منصبًا داخل السلطة. وفي كلا الحالتين، يتمُّ إسكات الثوريّ. ولكن، في الحالة الأولى تكون السلطة قمعيَّة ومستبدَّة وجائرة، بينما في الثانية تكون ذكيَّة ومغلَّفة بالمكر والاحتيال. وأمّا النتيجة فواحدة!…
تبقى الأشخاص أصواتًا خافتة مهما ارتفعت وتيرتها، بينما صوت الحقّ هو الوحيد الذي يبقى عاليًا ولا يمكن إسكاته بسهولة. فإن انطفأ صوت خافت لا بدَّ من أن يعلو صوت آخر، في مكان آخر. فالظلم والاستبداد لا يمكن أن يستمرَّا إلى الأبد، “ولا بدَّ للقيد أن ينكسر” مهما كان صلبًا وقاسيًا. على حدِّ قول أحد الحكماء، لمَّا سُئل يومًا عن رجل مستبدٍّ وكيف السبيل إلى إزالته، فأجاب: “يأتي يوم يسلِّم فيه جميع شروره ويمضي (يموت)”…
بالرغم من أنَّ بعض أصحاب السلطة يتحلَّون بالنزاهة والضمير الحيّ وعددهم ليس بالكثير، فوطننا العربيّ يرزح تحت وطأة سياسيِّين كثيرين فاسدين يتحكَّمون بالبلاد، جاعلين منها بؤرة فساد لأعمالهم المشينة. ولكن ستأتي أيَّام ترحل فيها تلك الطبقة السياسيَّة الفاسدة ولا تترك وراءها إلاَّ أخبار أعمالها الحقيرة ولعنة الأجيال. وكلُّنا أمل أنَّ شعبنا العربيّ سيبقى صوت الحقّ الذي يقرِّع ضمير السياسيِّين الفاسدين. وخلاصة القول، لا يدرك هؤلاء السياسيُّون حقيقة مرَّة وهي هذه: إن كانت أعمالهم،مهما كثرت، هي لفترة معيَّنة، لكنَّ لعنة الأجيال سوف تلاحقهم على امتداد التاريخ!