الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – ليس من السهل أن يكون عملك في بلد معيَّن وتبقى محجورًا طوال ثمانية أشهر في بلد آخر، وأنت تتساءل كلَّ يوم بغضب صامت: لماذا جرت الأمور هكذا؟ هذا ما جرى معي عندما مضيتُ إلى لبنان لقضاء عشرة أيَّام في ربوع الوطن، فأُقفلت جميع المطارات طوال ثمانية أشهر بسبب وباء كورونا. وما جرى معي جرى مع أحد الكهنة الأجانب الذي حُجر هو أيضًا في مكان عملي. وكأنَّ الله دبَّر أن يُحجر ويُقيم في مكان عملي ليتابع الخدمة التي كنتُ أقوم بها. فحمدتُ الله أنَّ العمل لم يتوقَّف هناك بسبب غيابي. ولكن، لم تنتهِ القصَّة عند هذا الحدّ.
عدتُ إلى مكان عملي قبل أن تسنح له الفرصة بالسفر بثلاثة أسابيع. تعرَّفتُ خلالها إلى ذلك الكاهن،الذي تمنَّى بشدَّة أن أزوره في بلده الواقع في أميركا الجنوبيَّة. واستمرَّ التواصل بيننا بعد رحيله عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ.
وشاءت العناية الإلهيَّة أن يعيَّن كاهن زميل لي للعمل في ذلك البلد، وهو لا يعرف أحدًا هناك. تواصلت مع الكاهن الأجنبيّ الذي رحَّب بالكاهن الزميل وفتح له ديره وكنيسته للعمل فيهما، ووعده أن يقدِّم له كلَّ مساعدة ممكنة.
ولكنَّ العناية الإلهيَّة لم تتوقَّف عند هذا الحدّ، فالكاهن الزميل كان مقرَّبًا من شيخ مسلم كان متوجِّهًا هو الآخر إلى تلك البلاد للعمل فيها. تبرَّعت إحدى الأسر المسلمة باستقباله في بيتها ريثما يدبِّر أموره، وهو يعرف جيِّدًا أنَّ بيت تلك الأسرة صغير للغاية. فقبل دعوة الكاهن للإقامة في الدير إلى أن يدبِّر مكانًا للسكن.
واستمرَّت العناية الإلهيَّة بعملها. فتلك الأسرة المسلمة استطاعت خلال إقامتها في تلك الأمصار أن تتواصل مع مواطنيها اللبنانيِّين المتواجدين هناك، وأغلبيَّتهم من المسيحيّين. فاستطاع الكاهن بكلِّ سهولة أن يتواصل هو أيضًا مع اللبنانيّين المقيمين هناك لاسيَّما المسيحيِّين منهم…
أحيانًا كثيرة لا نفهم تدبير الله ونتساءل كثيرًا: لماذا فعل الله بي هكذا؟ لماذا جعلني أمرُّ بهذا الاختبار أو ذاك؟ لماذا حجزني في لبنان ولماذا حجز ذلك الكاهن في مكان عملي؟ ما الذي جعل الكاهن زميلي يتعرَّف إلى ذلك الشيخ ويكون مقرَّبًا منه؟ وكلَّ مرَّة أكتشف أنَّ الله يدبِّر كلَّ شيء ويعمل في الإنسان ولأجل الإنسان وخير الإنسان دون تمييز أو تفرقة بين الأديان أو الشعوب. بل هو يطلب منَّا ألاَّ ننظر إلى الآخر بحسب دينه أو عرقه أو لونه، بل أن ننظر إليه لكونه إنسانًا خلقه الله ووضعه في دربي ليساعد أحدنا الآخر، فكلُّ البشر سواسية.
لطالما سمعتُ هذا القول: “يكتب الله بخطٍّ مستقيم على أسطر ملتوية”. فما على الإنسان إلاَّ أن يضع ثقته بالله في كلِّ مراحل حياته، ويعيش بسلام مع أخيه الإنسان. فالحياة مهما طالت تبقى قصيرة، فلنحيَها بملئها. ولنعِش بسعادة وهناء مع كلِّ إنسان.