هاني حبيب –
الأول نيوز – أمر الرئيس جمال عبد الناصر، بتسمية أحد ميادين القاهرة، على اسم محرر أمريكا اللاتينية سيمون بوليفار، وبالفعل تم ذلك مع وجود نصب تذكاري مهيب من البرونز في ميدان حمل اسم بوليفار في جاردن سيتي.
لدى البحث عن تاريخ أميركا اللاتينية، يظهر اسم سيمون بوليفار كمحررٍ لها، قائدًا للحرب ضد الاستعمار الإسباني لهذه القارة، إلا أن قيادة بوليفار لم تقتصر على القيادة العسكرية لتحرير القارة، وأحيانًا نظرًا بهذا الدور العسكري يتم تجاهل إنجازاته الكبرى الأخرى، فقد نجح في توحيد أجزاء كبرى من القارة التي كانت تسمى في وقتٍ من الأوقات بكولومبيا العظمى، والتي ضمت ما بات يعرف اليوم بكولومبيا وفنزويلا والاكوادور وبنما، وضمت فيما بعد كل من البيرو وبوليفيا بعد حصولهما على الاستقلال ووضع بوليفار نظامًا نيابيًا للجمهوريات الكونفدرالية على غرار البرلمان البريطاني وأصدر القوانين التي تحرّم العبودية واعتمد في قتاله ضد الإسبان على “ثوار السهول”، أي الفلاحين واتخذ من حرب التحرير الشعبية سبيلاً لطرد الاستعمار الإسباني، هذا الرمز التاريخي لأمريكا اللاتينية ورغم شعبيته الهائلة، إلا أن ذلك لم يمنع من عدة محاولات للتمرد على قيادته ومحاولة لم تنجح في اغتياله من قبل غوسيه ماريا، وهو أحد مساعديه.
فعندما أصر بعض مناصريه على صنع تمثالٍ له، رفض ذلك بشدة قائلًا إنّه ربما يخون مبادئه ويعود عن أفكاره، فيما بقي له من عمر، فليس هناك من ضمان، لذلك لا يتوجب تخليد أحد قبل وفاته وهكذا كان.
بعد أقل من قرنين على قيادة بوليفار والثورة ضد الاستعمار الإسباني، نجحت “حركة تضامن” في بولندا بقيادة ليخ فاليسا في الوصول إلى الحكم، بعد سلسلة من التمردات والثورات العمالية النقابية ضد النظام الاشتراكي، الذي كان يشكّل أحد أهم دول المنظومة السوفييتية، وترأس فاليسا البلاد في تطور بالغ الأهمية باعتباره انتصارًا كبيرًا للحرب الباردة التي شنها الغرب على الكتلة السوفييتية ويؤرّخ لهذا الحدث كونه البداية العملية لانهيار هذه المنظومة بقيادة الاتحاد السوفييتي.
مع ذلك، وعندما أعاد فاليسا ترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية أمام المرشح الشيوعي أليكساندر كوارنيزسكي، فإن هذا الأخير فاز بمقعد الرئاسة وسقط الرمز الأسطوري فاليسا سقوطًا مدويًا وغاب عن الأضواء، خاصة بعدما تسربت إلى بعض وسائل الإعلام المحلية ملفات الشرطة السرية الشيوعية، والتي كشفت عن اعترافات فاليسا مراتٍ عديدة عن أنشطة العمال في أحواض السفن في ميناء أغدالسك في العام 1970، أي أنه كان عميلًا لأجهزة المخابرات الشيوعية، وبينما اعتبر فاليسا رمزًا شعبيًا لوقتٍ ليس بالطويل في بولندا، فإن عدم تمكنه في الفوز بالرئاسة مجددًا يعتبر تأكيدًا أن عمر الرموز القيادية قد لا يستمر طويلاً وأن الرأي العام قد ينقلب عليه وينقلب على مفهوم “الرمز”.
في أغسطس/ آب 1942، يدخل الجنرال شارل ديغول باريس بعد تحريرها من الاحتلال النازي، نتيجة لقيادته حركة المقاومة قبل أربع سنوات من تحرير فرنسا، وفي العام 1959 فاز في الانتخابات وأصبح رئيسًا لفرنسا وسرعان ما قرر الانسحاب من حلف الأطلسي، معارضًا للحرب في فيتنام ومعترفًا بالصين الشعبية بزعامة ماوتسي تونغ، متبنيًا لسياسة الانسحاب التدريجي من الجزائر ومن إفريقيا السوداء، وأدان الحرب الإسرائيلية عام 1967 على مصر وسوريا، مطالبًا الدولة العبرية بالانسحاب من الأراضي التي احتلتها وحظر تصدير السلاح إليها، وعارض دخول بريطانيا إلى ما كان يسمى بالسوق الأوربية المشتركة، ويقال أن مفاعل ديمونا الإسرائيلي الذي أقامته فرنسا كان بدون علم من ديغول، ما سبب سخطه ومعاقبته لإسرائيل أثناء توليه الحكم. لكن ديغول محرر فرنسا من النازية، وبعدها ولايتين رئاسيتين لم يتمكن من تجديدهما، مما أدى إلى استقالته بعد فشله في الانتخابات، وهكذا فإن الرمز الأسطوري شارل ديغول الذي تمتع بشعبية كاسحة سرعان ما خذلته هذه الشعبية وتركته ينسحب بهدوء دون أن يذكره أحد.
هذه أشكال مختلفة من الرموز السياسية من مناطق وحقب مختلفة بعضها سلبي وبعضها إيجابي، وإذا كان هناك من معنى، فإن مفهوم “الرمز”، بات مشكوكًا به كمفهوم. وفي العالم الديمقراطي، حيث تتجدد القيادات مهما طالت فترة حكمها، فإن الرمز إلى مغادرة، بينما يبقى الدرس والنموذج، شرط عدم التقديس وعبادة الفرد، ولعل مقولة بوليفار حول صناعة تمثال له هو الدرس الأكثر دلالة.