جبريل محمد –
الأول نيوز – هناكَ فرقٌ كبيرٌ بينَ ضرورةِ وجودِ الظاهرةِ باعتبارها ناتجًا موضوعيًّا لقوانينَ اجتماعيّةٍ وجدواها، لذا فمن البداهةِ الحديثُ عن ضرورة وجود اليسار في مجتمعٍ يعيشُ حالةً تحرّريّةً مستمرّة، في ظلّ نظامٍ عالميٍّ منحازٍ لكلّ مظاهرِ اليمين في الاقتصادِ والسياسةِ والثقافة، وكلّ مجالات الحياة، وفي ظلّ نظامٍ إقليميٍّ غارقٍ في التخلّف والتبعيّة، ويعلنُ إصرارَهُ المستميتَ على التمسّك بهذا التخلّف والتبعيّة؛ وصولًا إلى حالة التماهي مع هذا التخلّف وتمجيدِهِ باعتباره إنجازًا وميزة. وثالثة الأثافي هي الحالةُ الوطنيّةُ الفلسطينيّةُ المترهّلةُ والمائعة، التي تقولبُ نفسَها حسبَ الوعاء الذي تُوضع فيه، هذهِ الحالةُ التي تفرضُ ضرورةَ انتصابِ اليسار في مواجهتها، إلّا أنّ التعلّلَ بالظرف الموضوعيّ العام دائمًا يشكّل الشمّاعة التي تعلّق عليها كلّ مظاهرِ الانتهازِ اليمينيّ، والرخاوة السياسيّة التي ترضى أن تكون ضمنَ القطيعِ ولا تعمل شيئًا؛ لأنْ تكون الراعي الذي يقود حالةَ انتظامٍ جماهيريٍّ بنهجٍ مستقلٍّ واضح.
ليس الأمرُ متعلّقًا بموجباتِ تبريرِ ضرورةِ اليسار، فكلّ الظروف تستدعي حضورَهُ الميّز والقادر على الفعل، لكنّ الأمرَ يتعلّق بجدوى الفعل اليساريّ الفلسطينيّ والعربيّ السابق والراهن، وما تنبئُ به هذهِ الجدوى من مستقبلٍ إذا ظلَّ الحالُ على ما هو عليه.
عمرُ اليسار الفلسطيني من عمر القضيّة الوطنيّة، ومنذ أن بدأ التحالفُ الاستعماريّ مع الصهيونيّة، لكنْ، هل حمل هذا العمر الطويل من نضالاتٍ لا ننكرها، وتضحياتٍ لا نغمضها تراكمًا في ترسيخ قيمٍ يساريّةٍ حقيقيّةٍ في الجماهير الفلسطينيّة؟ فهنا تكمنُ جدوى اليسار وقراءتها بشكلٍ نقديٍّ لا كتابة القصائد العصماء فيها.
كان تأسيسُ أنويةِ اليسار الفلسطينيّ الأولى على قاعدة وحدة البروليتاريا العربيّة واليهوديّة المستوطنة في مواجهة الرجعيّة الإقطاعيّة الفلسطينيّة والرجعيّة الصهيونيّة والاستعمار المساند لها، وهنا كان أوّلُ القصيدةِ كفر، فهل كانت البروليتاريا العربيّة هي الطبقةُ السائدةُ في فلسطين أم أنّ الفلاحين الأميّين والجهلة، الذين كانت ثقافتهم تقليديّةً مواليةً هي الطبقةُ السائدة؟ وهل المستوطنُ القادمُ من أقاصي العالم باعتباره الموضوعيّ كغازٍ يمكن أن يكون ثوريًّا حين يقبل الغزوة؟ فأين هي جدوى تفكيرٍ يساريٍّ كهذا لم يفض في النهاية إلا إلى أن يكون تابعًا لنهجٍ براغماتيٍّ سوفياتيٍّ قاده ستالين، ولذلك ظلّ هذا اليسارُ دون جدوى يلوك المبررات الستالينية إلى اليوم، حيث يتفاخر أنّ كلَّ الحركة الوطنيّة قد قبلت في النهاية ببرنامجه؟ هذا اليسار لم يعد يحوز على شيءٍ سوى التاريخ.
بعد حزيران عامَ 1967، تبلّورت في الساحة الفلسطينيّة أنويةٌ وتياراتٌ يساريّةٌ تجاوزت الطرحَ السابق لليسار ونقدته، لم يكن النقدُ من الموقع نفسه، إنّما من خارجه، لكن هذا اليسار كان تلميذًا ابتدائيًّا في المدرسة، حاول اقتفاء نماذجَ عالميّةٍ في فيتنام وكوبا وغيرها، حاول أن يقرأ ماو فكاد أن يصبح ماويًّا، وقرأ جيفارا وكاسترو، وكاد أن يكون جيفاريًّا أو فيتناميًّا، لكنّه لم يستلهم التجارِبَ بقدر ما رآها علاماتٍ تبرّر نقدَ اليسار الذي بات تقليديًّا، لقد وجد هذا اليسارُ نفسَهُ في تلعثمِهِ غيرَ مستقرّ، أحيانًا يشطّ في يساريّتِهِ فيقعُ وقعةَ المغامر، الذي لم يقرأ الواقعَ جيّدًا، فينثني إلى اليمين بانعطافةٍ حادةٍ تنتقدُ المسارَ السابق، ولكن بعد أن يكون قد شقّ المولود الجديد، وباتت العودةُ إلى لحمتِهِ صعبةً قاربت الاستحالة، فهل كانت هناك جدوى في هذا الانشقاق، سواءً على صعيد المسألة الوطنيّة التحرّريّة أم على صعيد تعميقِ الفكر الثوريّ؟
أما نصفُ المولود الآخر، فقد عانى أيضًا من مراهقات، وعانى من تقلّباتٍ كادت أن تعصف به، فهو الذي حاول – ولا زال – أن يخلق نظريّتَهُ الخاصةَ حولَ الدمجِ بين التحرّر القوميّ والأبعاد التقدميّة الاشتراكيّة، فمرّةً يبني حزبًا عربيًّا باسمِهِ، ومرّةً يرتدّ إلى القطريّة، مرّةً يدخلُ إلى البوتقةِ العامةِ الفلسطينيّة، ومرّةً يخرجُ منها، لكنّه نسي أن التحالفاتِ ليست رغبويّةً، بل هي ضروراتٌ يفرضها الواقع، وأنّ الأساس في التحالف أن لا تكون ملحقًا به، إنّما طرفٌ مستقلّ، يضع نفسَهُ إزاءَ الحليف على قدم المساواة، وهذا ما لم يحصل.
مشكلةُ اليسار الجديد أنّه حتى الآن ورغم عشرات الوثائق التي قدّمها، لم يقدّم رؤيةً نظريّةً تتجاوزُ الشعار والحلم إلى التفكير المنهجيّ العلميّ الذي أسّس له في الاستراتيجيّة السياسيّة والتنظيميّة، وأنّه تعامل بالمفرق مع جملة الموضوعات المترابطة، التي كانت تحتاج إلى نظريّةٍ كاملةٍ حولَ المواجهةِ مع الكولونياليّة، وهذا ما لم يحدث حتى الآن.
في جانب آخر هناك يساريون لم يختاروا الانضواءَ تحت رايةِ حزبٍ يساريّ، بل ساد لديهم وهمٌ أنّه يمكن تخليقُ كتلةٍ يساريّةٍ في تنظيمٍ يمينيٍّ كبير، وهم ليسوا قلّةً في الساحة الفلسطينيّة، كانوا يتعلّلون أنّهم يستفيدون من إمكاناتِ التنظيمِ الكبيرِ في تدعيمِ رؤيةٍ يساريّة، وهذا كان ضربٌ لاستقلاليّة اليسار، بحيث أنّه اندثرَ في أوّلِ صدامٍ مع المركز اليمينيّ وتفرّقت أيدي سبأ.
لذا، فحتّى الآن لا يمكنُ الحديثُ عن جدوى متحقّقةٍ بشكلٍ كليّ، نحن أمامَ جدوى مأمولة، مستندينَ إلى حيويّةِ الفكرة اليساريّة من جهة، وإلى وجودِ تراثٍ ما زال يتمسّك باليسار حتى في ظلّ حالة التراجع التي يعيشها عالميًّا وقوميًّا ووطنيًّا.
إنّ أمام اليسار – الآن – أن يعيد تعريفَ نفسِهِ بالمراجعةِ المنهجية، واستعادة الاستقلال السياسيّ والتنظيمي، وبناء وعيٍّ يساريٍّ متماسكٍ مترابطٍ وشاملٍ تَجاهَ كلِّ القضايا، وأوّلُها الوعيُ بالقضيّة الوطنيّة بما هي؛ قضيّة ظلمٍ تاريخي، والوعي بأنّ الثورة عمليّةُ تغييرٍ كليٍّ شامل، وليس مجرّد اختياراتٍ بين توجّهاتٍ متعدّدة.