الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – يوم تعيَّن رئيسًا للجمهوريَّة هتفت له الجموع بالتعظيم والأناشيد المفرحة. وأضحى محاطًا من مجموعة كبيرة من الحرَّاس والنوّاب والوزراء وأصحاب الشأن، مع عدا الإعلاميّين والصحافيّين. فهو أصبح رئيسًا لإحدى الدول المتقدِّمة وكلمته مسموعة من الكبير والصغير.
حاول أحد الرجال أن يأخذ موعدًا لمقابلة هذا الرئيس فما كان أحد يعطيه، بل تجاهلوا أمره ولم يحاولوا أن يخبروا الرئيس بأيِّ شيء عنه. وحاول الرجل أن يلفت نظر الرئيس إليه بوقوفه عند باب القصر الجمهوريّ ولكن، أين للرئيس أن يرى وسط العظمة التي تحيط به رجلاً بسيطًا مثله. وفي إحدى المرَّات، والرئيس خارج بسيَّارته من المدخل الرئيسيّ لمجلس الوزراء، ولم يكن أقفل نافذة السيَّارة بعد، سمع صوتًا يناديه باسمه فالتفت نحو الصوت ورأى ذلك الرجل البسيط. أوقف سائق السيَّارة وترجَّل منها وأسرع إلى الرجل وغمره بشدَّة ودعاه إلى ركوب السيَّارة إلى جواره، ومضى به إلى القصر الجمهوريّ.
نزل من السيَّارة ودعا جميع الموظَّفين إلى اجتماع طارئ، وشرع يخبرهم قصَّته:
- “يعرف أهل البلد جميعًا أنَّني ولدتُ يتيمًا، وعشتُ مع أمّي بحالة يرثى لها. كنتُ أمضي إلى المدرسة وأنا لا أملك ثمنًا للطعام الذي يُقدَّم إليَّ مجَّانًا ولتلامذة مثلي. جميع رفاقي يتنمَّرون عليَّ. يحاول الأساتذة تجاهلي، فأنا أتعلَّم ولا أملك كتابًا أدرس فيه. فكنتُ أسرق النظر إلى كتب رفاقي. ولكنَّ معلِّمًا وحيدًا انتبه إليَّ وعرف مقدار شقائي، فتحنَّن عليَّ واشترى لي جميع الكتب واللوازم الضروريّة لدراستي. وظلَّ يهتمُّ بي إلى أن تخرَّجت رجل أعمال بتفوُّق. ذاك المعلِّم هو هذا الرجل الواقف هنا إلى جواري. منذ تخرُّجي انتقلت إلى العاصمة وصرت بعيدًا عن البلدة التي ربيت فيها والمعلِّم الذي احتضنني طوال حياتي.
حاول مرارًا أن يصل إليَّ بعدما صرت رئيسكم، لكنَّ أحدًا لم يعطه موعدًا، ولا حتَّى رقم هاتفي الخاصّ. إلى أن سمعته يناديني وأنا خارج من مجلس الوزراء…
من أنتم لتحكموا على مظهر رجل بسيط مثله وتمنعوه عن مقابلتي؟ من أنتم لتقفوا حاجزًا بيني وبين من أنقذ حياتي من العدم؟ من أنتم لتميِّزوا بين البشر، وتسمحوا لهذا أو لذاك بدخول هذا القصر أو تمنعوه؟
لولا هذا الإنسان لما كنتُ الآن واقفًا هنا أمامكم. لولا هذا الإنسان لكنتُ أتسكَّع على الطرقات أشحذ لقمة عيشي. لولا هذا الإنسان لكنتُ الآنَ مرميًّا في أحد السجون المظلمة. لولا هذا الإنسان لكنتُ اليوم مجرمًا هاربًا من وجه العدالة…
من الآن وصاعدًا، بسبب هذا الرجل البسيط، معلِّمي، واجب عليكم أن تستقبلوا كلَّ إنسان، غنيًّا كان أم فقيرًا، رجلاً أم امرأة، شابًّا أم طفلاً صغيرًا، يطلب مقابلتي، فأنا مسؤول عنه كوني رئيسه بقدر مسؤوليَّتي تجاهكم. بسبب هذا الرجل أنا مستعدٌّ أن أخدم كلَّ إنسان يطرق بابي. فلو أمضيتُ عمري كلَّه في خدمته وخدمة أمثاله لن أستطيع أن أردَّ له الجميل…”