عالم التكنولوجيا

 

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز –  قُدِّمت لصديقي ساعة ذكيَّة موصولة على الهاتف النقَّال الذكيّ، وضع فيها كلَّ المعلومات التي يحتاجها في تنقُّلاته وأسفاره. وفي أحد الأيَّام اتَّصل بي وهو حزين قائلاً لي: “أضعتُ ساعتي ولا أعرف أين يمكنها أن تكون. فأنا لا أهتمُّ لها بقدر ما أهتمُّ لما تحويه من معلومات خاصَّة أدخلتها فيها”.

مضينا سويَّة نبحث عنها في الأماكن التي مرَّ بها في اليوم السابق. وفي أحد المحلاّت، طلب شابٌّ ضليع بالتكنولوجيا، هاتف صديقي النقَّال واستطاع أن يدلَّه أين كانت ساعته في الساعات السابقة. وهكذا استطعنا أن نعرف مكانها…

يوم كنَّا صغارًا، كنَّا نلهو بالطابة أو بالكلَّة أو بأيِّ لعبة خارجيَّة تجعلنا نركض ونلهو ونتسلَّى مع الرفاق والأصدقاء ونعود إلى البيت ونحن متَّسخون، تملأ الأتربة ثيابنا، نقضي يومنا خارج البيت لا نخاف شمسًا محرقة خلال فصل الصيف ولا بردًا قارسًا خلال فصل الشتاء، فلا نمرض ولا نصاب بالزكام، وإذا وقعنا وجلفنا ركبتنا نغسلها بالقليل من المياه ونتابع لعبنا.

أمّا اليوم فأصبحنا في عصر لا نستطيع الاستغناء عن كلِّ تطوُّر في التكنولوجيا. وكلَّ يوم نسمع بابتكار تكنولوجيّ جديد. وعندما نحصل على واحد من تلك الابتكارات، لم يعد بالإمكان الاستغناء عنه. وما يؤسف له أنَّ أطفالنا الذين يتفوَّقون علينا في استعمال تلك الابتكارات، انزووا بعيدًا عن الرفاق والأتراب،بل أصبحوا أكثر عرضة للأمراض والرشح، فإذا سقطوا أرضًا وجُرحوا لا بدَّ من نقلهم إلى أقرب مستوصف أو مستشفى. أصبحت صحَّتهم هشَّة، سريعة العطب، لأنَّهم قبعوا في بيوتهم، يقضون أوقاتهم في التسلية على الآلات التكنولوجيَّة…

أصبحت التكنولوجيا من صلب حياتنا اليوميَّة، حتَّى أضحت أهمَّ من أهلنا وأصحابنا وأحيانًا كثيرة أهمَّ من أنفسنا وحتَّى من ربِّنا. فكم من الناس يفضِّلون الإجابة على هواتفهم النقَّالة أثناء أداء صلاتهم في أماكن العبادة! فالبعض يردُّ داخل دور الصلاة وبعضهم الآخر، الأكثر فطنة واحترامًا، يتركون مكانهم ويخرجون للإجابة على الاتّصالات. وهناك بعض الأطفال والشبَّان يفضِّلون متابعة اللعب والمحادثة عبر الهاتف أثناء تأدية صلاتهم في دور العبادة…

ومن المؤسف أيضًا، مع انتشار وباء الكورونا، أنَّ معظم أعمالنا أضحت داخل منازلنا. فالتلامذة يتعلَّمون عبر الإنترنيت، ولا نعرف مقدار تحصيلهم العلميّ واستيعابهم لما يتلقَّون؛ والموظَّفون يعملون في منازلهم عبر الكمبيوتر فلا حاجة بهم إلى المضيّ إلى مراكز أعمالهم. كما أنَّ قسمًا كبيرًا من المجتمع البشريّ أسر ذاته داخل منزله خوفًا من انتقال عدوى الوباء إليه، فتقلَّصت الحياة الاجتماعيَّة بشكل كبير، حتَّى أضحت وسائل التواصل الاجتماعيّ هي السبيل الوحيد للتخاطب بين البشر…

ما أجمل تلك الأيَّام الخوالي التي كنَّا نقضيها مع أهلنا وأجدادنا نستمع فيها إلى أخبار البطولات والروايات الأخلاقيَّة الجميلة التي تعلِّمنا الشجاعة والإقدام، التضحية وبذل الذات، المروءة والشهامة، الخدمة والتفاني، الكدَّ والاجتهاد… فكلَّما تقدَّمنا في الابتكارات التكنولوجيَّة – مع أهمِّيَّتها وضروريَّتها – تراجعت الحياة الأخلاقيَّة والاجتماعيَّة والتربويَّة أكثر فأكثر. فلا بدَّ للمجتمع أن يتعلَّم الحدَّ من استخدامها مع إعادة إحياء العلاقات الإنسانيَّة والاجتماعيَّة…

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

الصناعات الدوائية والبيولوجية الايرانية ….بين عقيدة الفتوى والتحديث

الأول نيوز – د . هايل عبيدات  في السابق كانت ايران تعتمد على استيراد اكثر …