الدكتور موفق محادين –
الأول نيوز – تربطُ هذه المقاربةُ بين أزمةِ اليسارِ العالميّ وسياقِهِ التاريخيّ، ممثّلًا فيما يمكن تسميته بـ حقبة الثورة المعلوماتيّة الرابعة، عنوانًا للرأسماليّة ما بعد الحداثة، وهو ما يستدعي التوقّف عند فكرة التحقيب ذاتها؛ وصولًا إلى المشهد الراهن.
ابتداءً، ومع بعض التحفظّات على فكرة التحقيب عمومًا، وكذلك مقارباتها المختلفة، فأشهرها:
1- التحقيب الذي أشاعته المناخاتُ والمدارسُ البرجوازيّة: الثورة الزراعيّة، الثورة الصناعيّة، الثورة التكنولوجيّة، وتعالقاتها: الثورة العلميّة من كوبر نيكس وكبلر إلى يومنا هذا، والثورة الدينيّة (لوثر وكالفن) والثورة الفكريّة (بيكون، ديكارت، كانط.. الخ) والثورات السياسيّة المرتبطة بالعقد الاجتماعيّ والمواطنة (الثورة البريطانيّة ثمّ الثورة الفرنسيّة).
2- التحقيب الذي قدّمته الماركسيّة (وفقًا لنمط الإنتاج): ما قبل الطبقات (المشاعيّة والمجتمعات الأموميّة) نمط الإنتاج الإقطاعيّ (الأوروبيّ الشرقيّ)، نمط الإنتاج الرأسماليّ والنمط المنشود (الاشتراكيّة). وقد اشتقّت الماركسيّة من هذا التحقيب، الثورات السياسيّة المواكبة للتحوّلات الكبرى في التشكيلات الاجتماعيّة، من الثورة البرجوازيّة، إلى الثورات الاشتراكيّة في روسيا والصين.
بيدَ أنّه إذا كانت الأوساط البرجوازيّة واصلت تقديم التيّارات الفكريّة والأيديولوجيّة المواكبة لتحوّلات الحقبة الرأسماليّة نفسها، فإنّ الماركسيّة لم تقدّم أسماءً مهمّةً منذ النصف الثاني للقرن العشرين، ولم تتوقّف عند مغزى التحوّلات التي شهدتها هي نفسها، بين ماركس وإنجلز و لينين وغرامشي ومدرسة فرانكفورت، ومدرسة فكّ التبعيّة، كما لم تقدّم إضاءاتٍ جديدةً في عصر الثورة المعلوماتيّة الرابعة.
وإذا كان لنا أن نحقب الماركسيّة فقد مرّت بالمراحل التالية:
1- المرحلة الأولى، مرحلة ماركس التي رافقت الرأسماليّة في ذروتها وركّز فيها ماركس على كسر الحلقة القويّة في النظام الرأسمالي، ولم يهتم بالحلقات الأخرى، إما بسبب نقص التطور الرأسمالي في بلدان أوروبا الشرقية وإما بسبب ما أسماه بالركود الأسيوي جنوبًا والطبيعة المحافظة للفلاحين.
2- المرحلة الثانية، مرحلة لينين، التي ترافقت مع البعد الإمبرياليّ للرأسمالية ومع التطوّر والتبادل غير المتكافئ في قلب النظام الرأسمالي، ممّا وسّع المسافة بينها وبين المحيط العالمي. وقد اشتقّ لينين من ذلك، فكرة الصراع من أجل كسر الحلقة الضعيفة في السلسلة الرأسماليّة (الرأسماليّة الروسيّة) وكذلك دعم حركات التحرّر في المحيط العالميّ، ودمج الفلاحين في هذه الحركات، وبناء أشكالٍ جبهويّةٍ بقيادة الطلائع الثوريّة.
وتندرجُ في هذه المرحلة الثورة الصينيّة بزعامة ماوتسي تونغ، التي كرّست نموذجًا جديدًا من التحالف العمّالي – الفلاحي ومن دمج المهامّ الاشتراكيّة في الثورة الوطنيّة الديموقراطيّة، التي اتّخذت بعدًا قوميًّا وتحريريًّا في الوقت نفسه، تكرّر في التجربة الفيتناميّة (التحرير من المحتلّين الأجانب، اليابانيين ثمّ الإنجليز، ومن أعوانهم الإقطاعيين، وتوحيد كل الأرض القومية في إطار برنامج تحوّلاتٍ اشتراكية).
3- المرحلة الثالثة، أو المرحلة التالية، وقد شهدت ظاهرتين، هما:
أ- التروتسكية، وقدمت نفسها أمميّةً رابعةً مقابلَ الأمميّة الثالثة التي أسّسها لينين 1919، وتابعها ستالين وانطلقت هذه الظاهرة من فكرة الثورة الدائمة (لها جذور عند ماركس ولينين) ومن أنّ ثورة أكتوبر لم تؤسّس لدولةٍ اشتراكيّة، بل لما يشبه رأسماليّة الدولة والبيروقراطيّة التي تحوّلت من بيروقراطيّةٍ عماليّةٍ إلى بيروقراطيّةٍ حزبيّة، كما ربطت فكرة الثورة الدائمة بالانتقال الأممي على مستوى العالم والحقبة الرأسمالية برمتها.
ب- ظاهرة غرامشي، الذي أعاد الصراع إلى مساحات البلدان والحلقات المتطورة؛ انطلاقًا من إيطاليا وانقسامها هي ذاتها بين شمالٍ لصنّاعين متطوّرين، وجنوبٍ للرأسمالية الزراعية والفلاحين، واشتق من ذلك أفكاره حول المجتمع السياسي (الدولة) والمجتمع المدني (الأحزاب والنقابات والمنظمات غير الحكومية) وكيف يفضل ممثلو القوى التقليديّة (المثقف التقليدي) التعاطي مع المجتمع السياسي، والدولة ضمن ثقافة الإكراه والخضوع مقابلَ دور المثقّف العضوي، وخاصة الحزب في العمل مع قوى المجتمع المدني في إطار مفاهيم: الهيمنة والأيديولوجيا والكتلة التاريخية (جبهة شعبية طبقية وسياسية بقيادة الحزب الشيوعي).
والمهمّ هنا، هو تركيز غرامشي على الآليات السياسية لإدارة الهيمنة، والكتلة التاريخيّة في قلب الحقبة الرأسماليّة وقوانينها، وليس لقلبها بدكتاتوريّة البروليتاريا، وهو ما عبّر عنه في مفهومٍ آخر هو (حرب المواقع) من أصغر الوحدات والمعارك النقابيّة إلى المعارك السياسيّة والطبقيّة والأيديولوجيّة.
4- الماركسيّة والمرحلة الرابعة، بالرغم من التراجع العام للتيّارات الماركسيّة، وخاصةً بعد الانهيار السوفياتي، وغياب المراجعات العميقة لهذه التجربة، إلّا أنّ القراءات التأسيسيّة لماركس ظلّت حيّةً وحاضرةً، بل إنّ الأزمات الدوريّة المتفاقمة للرأسماليّة راحت تؤكّد هذه القراءات، ولا سيما تنبؤاته بمسار الثورة التكنولوجيّة وانعكاساها على مجمل النظام الرأسماليّ، الذي تجاوز أوهام هايك وميلتون فريدمان لقدرة الغابة (السوق) الرأسماليّة على تجاوز أزماتها تلقائيًّا ليدخلَ في أخطر أزماته مع الثورة الرابعة. ففي حديثهِ عن التركيب العضويّ لرأس المال، توقّع ماركس أنْ تسفر الثورات العلميّة والتكنولوجيّة المتواصلة عن إقصاء الملايين تلو الملايين من العمال من سوق العمل، فيما تبحث الشركات عن الأرباح من خلال القوى العاملة الرخيصة. إنّ إقصاء ملايين العمال البيض لم يسفر وحسب عن الأزمات الدورية، بل وحول القسم الأعظم من الصناعات إلى المحيط في إطار ما يعرف بالتقسيم الدولي للعمل، وأدخل الرأسمالية أمام استحقاقٍ صعبٍ جديد هو تبادل المواقع بين المراكز والمحيط ودفع دولة، كالصين ودول أخرى إلى صدارة الدول الصناعية.
في هذه المناخات، وليس بعيدًا عن غرامشي ظهرت مدرستان يمكن اعتبارهما محطّاتٍ نظريّةً في الماركسية الرابعة، هما مدرسة فرانكفورت، ومدرسة ازدهرت في النصف الثاني من القرن العشرين، هي مدرسة فكّ التبعيّة. وفيما كانت الأولى أقرب إلى اشكاليات الرأسمالية في موطنها المتطوّر، كانت الثانية أقرب إلى التساؤلات التي أثارتها الأوساط الماركسيّة في العالم الثالث.
فلقد انشغلت مدرسة فرنكفورت بالاغتراب والتشيؤ والمصادرة التكنولوجية للعقل والاشتباك المعرفي مع تداعيات الحداثة وما بعدها، وعبّرت عن نفسها في شذراتٍ متناثرةٍ في مواجهة غير العقلانية، كسمةٍ للإمبريالية العليا، ومنها محاولات إعادة الاعتبار للعقل والتواصل الإنساني (هابر ماس) ومحاولة أريك فروم تجديد الماركسية بتجديد الفرويدية، ومنها الهرب إلى الفن في إطارٍ تجديديٍّ لمقاربات كانطية، هيغلية.
أما المدرسةُ الثانيةُ التي انشغلت بفكّ التبعيّة، فكانت أدواتُها النظريّةُ مشوّشةً من زاويةٍ مرجعيّاتُها وإسقاطُها لمرتكزاتٍ سياسيّةٍ في النظريّة الماركسيّة. وكان التبادلُ والتطوّرُ غير المتكافئ وسياقاتهما التاريخيّة (أنماط الإنتاج خاصّة، وعلاقة المركز مع المحيط) العنوان العريض لهذه المدرسة، التي تركت أثرًا ملحوظًا على مفكّرٍ عربيٍّ هو سمير أمين، الذي دمج هذه النظريّة بقراءاتِهِ الخاصّة للتجربة الماوية في الصين.
بيدَ أنّ الملاحظ حول المقاربات الثلاث، قراءات ماركس المبكرة للآفاق التقنيّة – الاجتماعيّة، ومدرستا فرانكفورت والتبعيّة، أنّها لم تترجم في مراجعاتٍ فكريّةٍ في صلب الوقائع، بل ظلّت أشبه بشهاداتٍ على أزمة الرأسمالية.
اللافت للانتباه، أنّ أوساطًا في الرأسماليّة هي التي راحت تبحث عن أجوبةٍ لأزمتها، ومنها ما يتعلّق بالمفاهيم الأساسيّة وبيئتها الموضوعيّة، من فكرة الدولة والهُوية بما في ذلك مراجعة نظريات العقد الاجتماعي المختلفة، التي رافقت ما يعرف بـ دولة وستفاليا، إلى فكرة الطبقة وغيرها.
وفيما كان قسم من اليسار يتفسّخ بين الثورات الملوّنة وأوهامها وبين الليبراليّة، كان مفكرون رأسماليون يبدون شكوكًا حول نظام التصويت والديموقراطيّة البرجوازيّة عمومًا، ويهربون من أزمة العقل التقني نحو ضروبٍ شتى من الأخلاق والوجوديّة الجديدة، وبالمقابل غاب الديالكتيك عن اليسار كأداةٍ معرفيّةٍ تنطوي على ديناميكيةٍ حيويةٍ ونقديةٍ لتشخيص الواقع وقراءة المعطيات والمفاهيم الجديدة، الدولة والهُويّة والمجتمع والطبقة والحريّة والثورة.. الخ.
أيضًا، إذا كان ماركس قد تنبأ بأزمة الرأسماليّة، التناقض بين التقدّم العلمي وبين التقدم الإنساني، فإنّ لينين سبق أيضًا وحذّر من الماديّة الوضعيّة المبتذلة التي قادت إلى العقل التقني، وهندسة الجينات وغيرها، ومحصّلة القول: إنّ الجدل الذي لا يقدّم حلولًا مباشرة، فهذه ليست مهمّته، فإنّه أهمُّ مدخلٍ حيويٍّ نقديٍّ لقراءة الوقائع ثُمَّ تغييرها.
أخيرًا، إذا كان لوكاتش ومدرسة فرانكفورت قد انتبهوا مبكرا للعلاقة الجدلية بين الوقائع الاجتماعية المتحولة وبين الوعي بها مع الاحتفاظ بالمسافة بينهما، ومن ثَمَّ بحضور الإنسان وعوالمه الثقافية كما الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، فقد عرف الوسط الثقافي العربي مساهماتٍ مماثلةً من نمط إلياس مرقص، الذي لم يغب بحد ذاته بل بمنهجه النقديّ الاشتراكيّ العربيّ الإنسانيّ والتحرّريّ في الوقت نفسه.