ثلوج وذكريات!

 

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – لم أتصوَّر أنَّ الثلج سيكون يومًا لي ولكثيرين مصدر حزن وألم!

ما أجمل الثلج وما أروعه! لطالما كان مصدر فرح وسرور لكلِّ حزين وبائس، ولكلِّ تعبان ويائس. فهو يضفي على الطبيعة وشاحًا من الطهارة والنقاوة.

فمنذ صغري وأنا أنتظر الشتاء حتَّى تثلج الدنيا ونخرج للعب بالثلج، أو نمضي في نزهة إلى الجبال لمعاينة الثلج ورؤية المتزلِّجين يمارسون هوايتهم المفضَّلة.

وما زال الثلج بنصاعة بياضه رمزًا للنقاء والصفاء، للجمال والروعة، حتَّى دُعي لبنان (الأبيض) تيمُّنًا به، لبقائه على جباله المرتفعة طوال السنة، لاسيَّما على جبل حرمون (أي المقدَّس)، المعروف بجبل الشيخ (أو جبل الثلج) فأعلى قممه تكسوها الثلوج طوال أيَّام السنة…

ربينا سويَّة في المدرسة، وظلَّت علاقتي به متينة بعد تخرُّجنا من المدرسة. انتقل ليتعلَّم إدارة الأعمال وأنا اخترت اللاهوت علمًا. تخرَّج قبلي وبدأ العمل في أحد المصارف. لم تتوقَّف لقاءاتنا أبدًا، بل كنَّا نخرج للعشاء معًا، أو للغداء، حسبما تسمح الظروف. تزوَّج وبعد فترة أنجب ولدًا.

لن أنسى ذلك اليوم أبدًا، يوم قرَّرنا الصعود إلى أحد مراكز التزلُّج وأراد أن يتعلَّم التزلُّج. تعود هذه القصَّة إلى أواخر التسعينات. خرجنا في يوم مشمس، هو وأسرته وأنا. أمضينا يومًا رائعًا. كلُّ شيء سار على ما يرام حتَّى اللحظة التي قرَّرنا فيها العودة. فعندما همَّ أن يتزحلق مرَّة أخيرة، وهو في قمَّة سعادته لأنَّه استطاع أن يتعلَّم التزلُّج وحده على الجليد، وقع أرضًا وقاده الثلج إلى حاجز حديديّ ارتطم به رأسه بقوَّة ففارق الحياة على الفور…

وفي طريق العودة، بعدما نقلت سيَّارة الإسعاف الجثَّة إلى المستشفى، كنَّا أنا وزوجته والصبيّ البالغ من العمر ثلاث سنوات، في السيَّارة ساكتين واجمين، انحرفت بنا السيَّارة على الجليد وكاد الثلج يتسبَّب لنا بحادث آخر، لو لم أترك السيَّارة تأخذ مجراها على الثلج وتتوقَّف عند طرف الطريق…

مضى على تلك الحادثة أكثر من عشرين سنة، ليست الأولى ولم تكن الأخيرة ولن تكون. لكنَّها تركت أثرًا كبيرًا في حياتي. فكلَّ مرَّة ينهمر الثلج، أتذكَّر رفيق العمر وأبتسم بمرارة. نويت كثيرًا أن أتعلَّم ممارسة التزلُّج على الثلج ولكن، بعد ذلك اليوم المشؤوم، نزعت الفكرة من بالي كلّيًّا. أمّا ابنه الوحيد، وبالرغم من خوف والدته كثيرًا عليه، فدخل أحد الأندية لتعلُّم التزلُّج وركوب الثلج وهو اليوم من بين أولئك الذين يتبارون في التزلُّج على الثلج.

فإن كانت الأمور أحيانًا كثيرة مصدر ألم وحزن، لكنَّها أيضًا تكون حافزًا لتخطّي الخوف والحزن وركوب المخاطر. فالحوادث تقع دائمًا، ولا يمكننا إيقافها أو تجنُّبها أحيانًا أو التغلُّب عليها، لكنَّه يجب ألاَّ ندعها تسيطر علينا. فهذا الشابّ لم يدع موت أبيه يؤثِّر على حياته، بل تخطَّى الأمر واستطاع أن يتغلَّب على خوفه بالاجتهاد والتعلُّم والممارسة…

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي …