الدكتور أيمن سلامة –
الأول نيوز – تفرض الدول والهيئات الدولية مثل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات اقتصادية لإكراه، أو ردع، أو معاقبة، أو فضح دول أو كيانات أو أشخاص تهدد مصالحها، أو تخرق قواعد السلوك الدولي.
ولجأت العديد من الدول في صدارتها الولايات المتحدة الأميركية ومجلس الأمن والاتحاد الأوروبي إلى فَرض العقوبات الاقتصادية بغرض تحقيق عدد من الأهداف الأمنية والسياسية أيضا بما في ذلك مكافحة الإرهاب، وتهريب المخدرات، ومنع انتشار أسلحة الدمار الشامل، والدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان، وحل الصراعات.
وتعد العقوبات الاقتصادية أكثر أساليب الردع انتشارا وتأثيرا في العلاقات الدولية المعاصرة، حيث تمثل علاجا صامتا وقاتلا في الوقت نفسه بوسائل أقل عنفا، كما أثبتت التجربة أنها المُعادل الاقتصادي لما يسمى في الحروب بالقصف الشامل، وهي من الأساليب التي انتهجتها كل من المنظمات الدولية والدول أثناء الحرب الباردة وازداد استعمالها أكثر مع نهاية تلك الحرب.
العقوبات الاقتصادية تعد إجراء يهدف إلى التأثير على إرادة دولة لِحثها على احترام قواعد القانون الدولي، وأن العقوبات لا تستهدف حفظ وحماية القانون فقط، لكن حفظ وحماية السلام الذي لا يتفق بالضرورة في كل الأحوال مع القانون، لذا فإن العقوبة الاقتصادية هي وسيلة ضغط إيجابية أو سلبية، تهدف إلى تغيير السلوك السياسي للدولة المعاقبة، وهذه العقوبة يمكن أن تتدرج من التهديد البسيط إلى مقاطعة كلية أو شاملة للعلاقات الاقتصادية بين المعاقِب والمستهدَف.
وتَيقنت الأمم المتحدة أن الشعوب صارت ضحايا هذه الانتهاكات وليست الأنظمة السياسية، بل إن قادة هذه الدول وفي حالات عديدة انتفعوا بتأليب الشعوب المكلومة بنار العقوبات على “الآخر” الذي فرض هذه العقوبات .
خُبّرَت دول عديدة بالآثار السلبية علي السكان المدنيين جَراء فرض العقوبات الاقتصادية علي هذه الدول مثل روديسيا السابقة والعراق ويوغوسلافيا السابقة وهايتي، وبات جليا أن فرض العقوبات الاقتصادية والشاملة منها على وجه الخصوص ليست البديل اللاعنفي للقوة المسلحة مثل الحرب، حيث تُفضي إلى الموت والمعاناة، على الرغم من أن جميع العقوبات تعفي الأنظمة الغذائية والأدوية خلافا للحرب، بيد أن جميع الضحايا هم على جانب واحد.
كشف اليوم الثلاثاء (22 / 2 / 2022 ) الرئيس الأمريكي بايدن عن حزمة العقوبات الأولى التي فرضتها الإدارة الأمريكية على روسيا، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة ستفرض عقوبات على النخبة الروسية وعائلاتهم، وهي التي صارت تعرف ب ” العقوبات الذكية ” ، و أكد بايدن أن الولايات المتحدة فرضت بالفعل عقوبات قاسية على بنكين روسيي ، كما حذر بايدنموسكو: “روسيا ستدفع ثمنا باهظا إذا ما واصلت سلوكها”، مشيرا إلى أن العقوبات ستعزل روسيا عن المنظومة المالية الغربية.
وتشمل العقوبات الأمريكية حتى الآن،إلغاء العمل مع خط أنابيب الغاز “نورد ستريم 2” القادم من روسيا، وعقوبات الحظر الكاملة على بنك “VEB “، وعقوبات على البنك العسكري الروسي، وعقوبات على ديون روسيا السيادية.
في المقابل، تواجه العقوبات الاقتصادية التي فرضتها دول الإتحاد الأوربي تحديدا لتحدي كبير، فمن ناحية تهدف العقوبات إلى تعظيم المعاناة التي يتعرض لها الكرملين وبنوكه الرئيسية وشركات الطاقة، ولكن أيضًا تحاول ذات العقوبات تجنب تعريض إمدادات الطاقة التي تعتمد على روسيا في القارة للخطر أو إلحاق أضرار جسيمة بالشركات الأوروبية التي لها علاقات قوية مع روسيا.
تتمتع روسيا، بعلاقات قوية مع أسواق الطاقة والأسواق المالية العالمية، كما تعد موطنا لشراكات واستثمارات أجنبية رئيسية لذا فإن أي تدابير اقتصادية سيكون لها تداعيات خارج البلاد.
لا تقتصر القطاعات الاقتصادية و الاستثمارية التي يمكن أن تؤثر فيها العقوبات على اقتصاد أوروبا في قطاع أو مجال واحد من الأعمال، وتدليلا تعمل شركة Siemens AG ، التي تحصل على حوالي 1 ٪ من إيراداتها من روسيا ، على تطوير جيل جديد من القطارات عالية السرعة مع شركاء روس ليتم بناؤها في مصنع روسي .
أما شركات صناعة السيارات الأوروبية فتتمتع بحضور واسع النطاق ، وتدليلا تمتلك فولكس فاجن وستيلانتس ورينو ومرسيدس بنز مصانع في روسيا ، بينما تصنع بي إم دبليو السيارات هناك من خلال الشريك الروسي أفتوتور، و تمتلك شركة رينو الفرنسية أكبر شركة لتصنيع السيارات في روسيا ، أفتوفاز ، مع مصنعها المترامي الأطراف في تولياتي.
كما تُشغل شركة صناعة الإطارات الإيطاليةPirelli ، المملوكة للصينيين ، مصنعين يوظفان حوالي 2500 شخص في روسيا ، وتنتج الإطارات في الغالب للسوق المحلي ولكن أيضًا للتصدير.
وبالرغم من أن كبار المالكين والمديرين لكبريات الشركات الأوربية ذات العلاقة المهمة مع روسيا أكدوا علي أنهم لا يتبعوا متغيرات الجغرافيا السياسية، لكنهم سيتخذون الخطوات اللازمة إذا تغيرت القواعد وشكلت عائقًا في إشارة واضحة للعقوبات الاقتصادية ضد روسيا.
أحد أهم التحديات التي ستفضي إليها العقوبات الأخيرة التي فرضها الاتحاد الأوربي ضد روسيا، فتح الباب أمام منافسين من الصين ودول أخرى لا تعاقب روسيا ، وتفوق صانعو الآلات الصينيون على الشركات الألمانية كموردين لروسيا في عام 2016، وبشكل عام ، تضاءل عدد الشركات الألمانية التي تمارس نشاطًا تجاريًا في روسيا من 6000 في عام 2010 إلى 3500 في عام 2021.
ووفقا للخبراء “فإن بعض الخسائر التي ستلحق بأوروبافي التجارة غير المتعلقة بالطاقة مع روسيا نتيجة للعقوبات والعقوبات المضادة سيكون لها على الأرجح تأثير ضئيل تقريبًا على توقعات النمو في أوروبا علي المدي القصير”.
يخشي القادة الأوربيون أن تهدد العقوبات الاقتصادية ضد روسيا الأمن القومي الأوروبي، وتحديدا في أخطر وأهم المجالات حيوية لشعوب أقدم الاتحادات الإقليمية في العالم و الذي تأسست اللبنات الأولي له علي التكتل الاقتصادي بين دول الاتحاد الأوربي، لذلك ينظر القادة الأوربيون بنظرة التوجس و الخيفة للأضرار التي يمكن أن تحيق بأمن الطاقة وشرايين الحياة لهذا القطاع الحيوي القادم من روسيا”.
يمكن الزعم أن العقوبات الاقتصادية الأمريكية والأوربية هذه المرة تختلف عن سابقتها في عام 2014، حيث تشمل مجالات أوسع وستكون تداعياتها أشد قسوة، وتهدف في المقام الأول ” الخنق الاقتصادي ” لروسيا الاتحادية وتراهن الولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوربي علي عجز الدب الروسي عن مواجهة هذه العقوبات الشديدة.