عماد عبدالهادي-
الأول نيوز – خاطرتي اليوم عن بساطة جبل اللويبدة / جبل الياسمين والذي يعود بناءه لبداية القرن العشرين ، وبساطة سكانه الطيبين والأجيال المتوارثة، في طفولة السبعينات وشباب الثمانينات كانت البساطة ، وكانت أزقة شوارعه أجمل من زقاق المدق ، كان هناك قليل من كل شئ وكثير من الروح، وقول جبران : كن بسيطا فان البساطه بذاتها جمالا.
* كانت البساطة ماثلة في عدة اوجه منها على سبيل المثال لا الحصر :
كان الاطفال ينتظرون بائع الاسكيمو صيفا والذي يضع مثلجاته بألوانها الزاهية في ثلاجة يدوية أكبر قليلا من السفرطاس وذلك قبل انتشار باص الفولسفاجن برناته وموسيقاه الرتيبه.
*كان بائع الحليب يوزع الحليب الطازج للمشتركين معه على منازلهم في الصباح الباكر .
*وصباح يوم الجمعة وأمام مطعم أبو محجوب الشهير كان الدور تباعا يصل إلى ١٥ شخص منهم على الأقل ٩ أشخاص بالبيجامات والدشاديش حاملين صحونهم ومحبتهم .
*كانت محلات الفيديو محدودة والطلب على الافلام في حينه كبيرا وخصوصا أيام الخميس.
*محلات تصليح الأحذية في شارع كلية الشريعه والشارع الموازي بالأعلى لشارع السعدي كان لها زبائنها.
*وكان متنزه اللويبدة ملتقى العشاق لزائرين من خارج الجبل ،.ومصدر سعادة ومتنفس لأطفال الياسمين وحوله باعة القرقوشه والترمس، وأطواق الياسمين، وعربات الذرة الرفيعه ووصفها كما ورد في الرواية الصينية عشيرة الذرة ، وعربة الككس الأخضر لصاحبها حافظ تجوب الجبل وتقف امام مدرسة ضرار بن الأزور.
* كان بعض المراهقين يتجمعون احيانا على مداخل مدرسة الأميرة عالية للبنات عند فترة انتهاء الدوام نهارا ، وكان بعضهم ليلا يرشون بعض الرموز بالسبريه على جدران المدرسة من الخارج.
*كان الأطفال احيانا يدخلونا مراسم حفلات الزفاف في كنائس اللويبدة الجميلة لأخذ ملبس أو حلوى.
* شتاء اللويبدة جميلا : رائحة الأشجار وعبق الياسمين ورائحة الأرض النفاذه الجميلة بعد أول شتوة ،وكان وقع المطر على أرض الجبل يختلف عن سائر الاماكن …أو هكذا كان شعور الفتى العاشق للياسمين وأرض جبله العتيد.
*كان بائع الكاز يجول على تنك لونه أصفر يحركه جحش، وكان ما كان من ذكريات لمن يلعبون بكرات الثلج عندما تغلق الثلوج شوارع الجبل لعدة أيام احيانا وكأن طهر السحاب قد بسط فراشه على أرض اللويبدة.
* كانوا المارة يختفون شتاءا قبل الساعه الثامنه مساءا .
* اجتهدت بالوصف لبعض المشاهد فيما ذكرته من ذكريات مع دلالات رمزية وتكوين صورة لمشاهد تحرك القارئ لتصور الأمكنه والأحداث في تقاطع مابين النص والجغرافيا كأثر واقعي.
* أحاديث المصلين في الكنائس يوم الأحد وفي المساجد يوم الجمعه كانت بعد الصلاة وخلال طريق العودة للبيوت ، الألفة والمحبة والتواصل الاجتماعي في المناسبات المختلفة كان نهج حياة لقاطني جبل الياسمين.
* محل السهر الراقي كان في مطعم سيزار بالقرب من حاووز اللويبدة ، وبيت الشباب الذي كان يستضيف الرحالة من الأجانب كان بالقرب من مسرح أسامه المشيني امام السفارة الباكستانية.
*وكان المستشفى الوحيد في اللويبدة مستشفى لوزميلا العتيد.
* في شهر رمضان المبارك كان المسحراتي يجوب شوارع الجبل ويأتي لأخذ العيدية في أول يوم من العيد.
* العجلات الهوائية / الباسكليتات التي تحمل سلة أمامية كانت ( الديلفري) من الدكاكين ومحلات الخضار والفواكه إلى المنازل.
* المركز الثقافي الفرنسي الكائن في نهاية شارع كلية الشريعة كان من المراكز الثقافية الرائدة ومزدحما بالطلاب ، وأحيانا كان يعرض أسبوع الفيلم الفرنسي ، ولأن اللويبدة هو جبل الثقافة فان شوارعه قد حملت اسماء : حسني فريز ، مؤنس الرزاز ، ابراهيم طوقان ، أحمد شوقي ، الفرزدق الكبير والأخطل الصغير وغيرهم.
* الاخاء الديني كان من اجمل المشاهد ومشاركة ابناء الطائفتين لجيرانهم في مناسباتهم المختلفة ، وفي تبادل الحلويات في الاعياد وحسن الجيرة ، وأواصر المحبة ، وتعانق الصليب مع الهلال كانت تجسد اجمل المعاني في الاخاء ، والمساجد والكنائس العريقة لها محراب فيه الطمأنينه والسكينة.
* كان معظم سكان اللوببدة يعرفون بعضهم البعض بالأسماء ويلتقون صباحا على فناجين القهوة دون حاجة لقارئة الفنجان فقد كانوا يعرفون الأبناء والصغار ويرسلون معهم السلام و المحبة لذويهم ويسألون عنهم ويتفقدون الغائب ، ويعودون المريض ويباركون للحجاج ، ويؤازرون الجيران في المواساة ويشاركونهم أفراحهم، ويرسلون لهم ثمار أشجارهم اليانعه في مواسمها، وكانت ثقافة العطاء هي السائدة.
* وفي مثل هذا قال درويش يوما: ( سأمدح هذا الصباح الجديد ، سأنسى الليالي ، كل الليالي، وأمشي الى وردة الجار اخطف منها طريقتها في الفرح) .
الجار القريب خير من الأخ البعيد وكما في الماء الوجه للوجه كذلك قلب الانسان للانسان.
هذا نموذج بسيط من مشاهد سريعه عن مسقط القلب ، بساطة اللويبدة وطيبة ساكنين.
ما زالت الحياة مستمرة وما زال الامل موجود.


