لا تصدّقوا

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – تخبرنا روايات أحد الملوك أنَّه لم يخسر يومًا معركة واحدة ولا حربًا. جُلَّ ما في الأمر أنَّه كان يضع احتمالاً واحدًا في عقول جنوده وقلوبهم هو ربح المعركة دومًا، إذ يقول لهم: “سوف أرمي قطعة المال عاليًا إن سقطت جهة صورة الملك فالنصر لنا وإن سقطت على الجهة الأخرى فلا نُقدم على الحرب لأنَّ الخسارة واقعة لا محالة.” وتبيَّن فيما بعد أنَّ العملة التي بحوزته تحمل صورة الملك على الجانبين.

منذ بدء الحرب الروسيَّة على أوكرانيا والإعلام مع وسائل التواصل الاجتماعيّ تخبرنا عن تداعيات الحرب، مع ما يترافق من أخبار ملفَّقة تصلنا مع دحضها، متَّخذة تلك الوسائل أحداثًا سابقة أو مفبرِكة أحداثًا جديدة.

كلُّ الأحداث عبر التاريخ لاسيَّما المأساويَّة منها، تُقرأ بطريقة شخصيَّة لا موضوعيَّة، بحسب نظرة الكاتب وميوله الخاصَّة. ومعظم المؤرِّخين مهما كانوا موضوعيِّين لا بدَّ لهم من أن “يحرِّفوا” التاريخ ليجعلوه إلى جانبهم، أو على الأقلّ، لصالحهم. ولكن، ما الهدف من ذلك؟

للإعلام أسباب كثيرة تجعله يشوِّه الحقيقة أو يضخِّمها أو يحوِّرها. في حال الحرب، هو يحاول أحيانًا كثيرة أن يضع الثقة والشجاعة في قلوب أبناء البلد المغتصَب، والهلع في قلوب الجنود المغتصِبين. وفي حالات أخرى يحاول أن يثير شفقة العالم نحو حدث مؤسف يقع في مكان ما؛ أو يحاول أن يشتِّت التفكير عن واقع معيَّن لغرض في نفسه…

لنعد بالذكرى إلى سنتين خاليتين، عندما بدأ انتشار وباء الكورونا الذي استغلَّه الإعلام ليجعل منه وباء سوف يقضي على قسم كبير من الناس في العالم أجمع، فاستولى الخوف والهلع على البشريَّة بأسرها حتَّى أمست معظم مدن العالم خالية من حركة السير بشكل تامّ، وتوقَّفت الملاحة الجويَّة والبحريَّة بشكل قاطع… واليوم مع أنَّ الوباء ما زال مستشريًا في كلِّ مكان، تعمد الدول إلى جعل مواطنيها تتأقلم مع الوضع الراهن، بعدما حثَّتهم على تلقّي التطعيم لأكثر من جرعة؛ فأوقفت عن الناس الفحوصات المخبريَّة التي تؤكِّد أو تنفي إصابتهم بالوباء… في حين أنَّ الكثير من الأطبَّاء حاولوا من خلال فيديوهات مسجَّلة أن يؤكِّدوا أنَّ التطعيم ضدَّ هذا الوباء ليس ضروريًّا ولا مفيدًا البتَّة…

يستطيع الإعلام أن يجعل من البياض سوادًا، ومن النهار ليلاً. وتبقى العقول البسيطة هي التي تصدِّق كلَّ ما يقوله الإعلام، مع أنَّ نسبة الأمور الحقيقيَّة التي ينطق بها الإعلام لا تتعدَّى الخمسين بالمئة بحسب الإحصاءات إن لم نقل إنَّ النسبة أقلّ من ذلك بكثير.

لا ننخدعنَّ بما يقوله الإعلام، وإن شئنا أن نعرف الحقيقة المجرَّدة علينا أن نقارن بين أخبار مختلف التيَّارات والمذاهب والأحزاب لئلاَّ ننجرَّ إلى فخِّ الإعلام ونقع في ضلال يحاول الإعلام أن يوقعنا فيه.

يُقال إنَّ الإعلام هو السلطة الرابعة في كلِّ بلد، فعلينا أن نتوخَّى الحذر منه، ونتَّخذ لنا هذه المقولة: لا نستند على مرجع واحد لنعرف الحقيقة بل على أكثر من مرجع، لئلاَّ نقع في الضلال…

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

حين يفقد الإنسان السيطرة على نفسه

الاول نيوز – صلاح ابو هنّود – مخرج وكاتب – الشجرة لا تسقط حين يهبّ …