جولة جديدة من المفاوضات الأوكرانية الروسية والمطالب لا تزال متباينة

الدكتور أيمن سلامة –

 

الأول نيوز – بعد فرار نصف سكان كييف عاصمة أكبر ثاني البلدان الأوروبية قاطبة من هول الحرب و دوي المدافع و أزيز الطائرات، تنعقد الجولة الرابعة اليوم الاثنين المفاوضات العسيرة بين الدولتين المتحاربتين: روسيا و أوكرانيا عبر “الفيديو الكونفرانس “، وليس علي الطاولة.

بالرغم من خصوصية المفاوضات الجارية بين الدولتين المتحاربتين روسيا الفيدرالية وأوكرانيا بحسبانها لن تفضي في القريب العاجل لتسوية نهائية للنزاع الدولي المحتدم بين البلدين ومنذ انهيار الاتحاد السوفيتي السابق عام 1991، لكن لا تنفصم هذه المفاوضات الجارية عن ضرورة المفاوضات في هذه اللحظة الإنسانية والتاريخيةخاصة لأجل حماية وإجلاء المدنيين الأبرياء الأوكرانيين من ساحة الحرب حامية الوطيس.

تعد المفاوضات أحد أهم الوسائل لتسوية النزاعات على اختلاف مجالاتها بين الدول سلمياً، وتحتل فى القانون الدولى المركز الأول والرئيس بين كافة الوسائل السلمية الأخرى لتسوية المنازعات الدولية، وتستخدم المفاوضات بنجاح كبير لأجل تخفيف حدة التوتر بين الأطراف المختلفة، واللجوء إلى المفاوضات يمكن أن يفضى إلى النتائج المزدوجة التالية: الحل المباشر للخلاف و تحقيق اتفاق بشأن اللجوء إلى أية وسيلة سلمية أخرى لتسوية النزاع .

ولكى تكون المفاوضات حيوية وفعالة؛ يجب أن تُجرى بحُسن النيَّة من قِبل الأطراف، وأن تُجرى أيضا على أساس المساواة والتكافؤ بين الأطراف، ولذلك من المهم بمكان أن يدخل أطراف المفاوضات بكل حرية مع الاحتفاظ بكامل وجهات نظرهم القانونية.

وحتى لو لم تؤدِ المفاوضات إلى حل ودى؛ سيبقى لها الفضل فى حصر النزاع وإثارة مختلف النقاط العالقة أو وضع النقاط على الحروف بالنسبة للخلاف القائم بين الطرفين. وفى حال عدم التوصل إلى حل حول جوهر الموضوع؛ فيمكن للمفاوضات أن تعالج الأمور الإجرائية لتحديد النقاط الواقعية القانونية التى يجب حسمها والطريقة الأكثر تناسباً للظروف والمعطيات.

والتفاوض ليس مجرد إجراء شكلى يتم اللجوء إليه، وإنما لا بُد من توافر النيَّة نحو التوصل إلى اتفاق بشأن النزاع ذاته، بما يحتم على الأطراف المعنية أن تتصرف بطريقة تجعل للتفاوض معنى وغاية، ويتطلب ذلك قدراً من المرونة من جانب الأطراف المعنية، وهو ما يقتضىأيضاً أن يراعى كل منهم حقوق الآخر.

نظريا و عملياً أيضا يبرز الشكل الحاصل الآن في خضم النزاع المسلح الروسي الأوكراني وهو التفاوض بهدف خفض مستوى الصراع ، حيث  يهدف أطراف النزاع في هذه الحالة إلى خفض مستويات الصراع فقط نتيجة لوجود عقبات وصعوبات تحول دون الوصول إلى حل نهائي للنزاع القائم بينهما، ومن ثم يأمل الأوكرانيون أن تنتهي المفاوضات بين الدولتين إلي ابرام اتفاق اطلاق نار جزئيينصب علي أقاليم وقطاعات محددة في أوكرانيا والتي خصصت فيها الممرات الإنسانية لإخلاء المدنيين الأوكرانيين ولعامل الزمن هنا دور كبير، حيث أنه يساهم فى تهدئة الخصوم، والوصول إلى نهاية الأمر إلى حل يُرضى كافة الأطراف.

ولكن على جانب آخر، يمكن تقسيم أطراف التفاوض إلى: أطراف مباشرة وهى الأطراف التى تجلس فعلاً على مائدة المفاوضات وتباشر عملية التفاوض، وأطراف غير مباشرة وهى الأطراف التى تشكل قوى ضاغطة لاعتبارات المصلحة أو التي لها علاقة قريبة أو بعيدة بعملية التفاوض، والمثال الروسي الاوكراني هو المثال الصارخ الذي يضرب في هذا الصدد.

ومن العسير تسوية جميع القضايا العالقة في اتفاقات وقف اطلاق النار سواء أكان كلياً أم جزيئاً، لكن مفاجأة العيار الثقيل بشأن التنازلات كانت قد أتت من الجانب الأوكراني حين تحدث الرئيس الأوكراني عن مناقشة مسألة ” حياد أوكرانيا ” و هي المطلب الرئيسي لروسيا الاتحادية، لكنه في ذات الوقت شدد علي الرفض التام لتنازل أوكرانيا عن شبر واحد من إقليمها

وقد تلجأ الدول أثناء التفاوض إلي الضغط العسكري  الميداني علي جبهة القتال ، من أجل إذعان الطرف الآخر إلي قبول مطالب الطرف الأول ، وقد استخدمت الولايات المتحدة هذا الأسلوب فى مفاوضاتها مع فييتنام الشمالية عندما عمدت – أثناء المفاوضات – إلى شن غارات وحشية بقصد التوصل إلى إيقاف الحرب التى كانت وبالاً على واشنطن ،  كما استخدمت إسرائيل – بعد اجتياح لبنان 1982 – هذا الأسلوب أيضاً خلال المفاوضات التى كان يجريها المبعوث الأمريكى “فيليب حبيب” من أجل انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت ، و المشهد الروسي  الأوكراني ليس ببعيد في هذا السياق .

تُعد العقبة الرئيسية  في نجاح المفاوضات بين الدولتين المتحاربتين المطالب المتفاوتة بين  الطرفين و التي يعب مقابلتها ، فروسيا  تصر علي اعتراف أوكرانيا بضم روسيا لشبه جزيرة القرم ، والاعتراف بمناطق دونباس التي تحتلها روسيا كدول مستقلة .

خلال الأيام القليلة الماضية، أظهر فشل محاولات الاتفاق حتى على ممرات إنسانية للسماح بإجلاء المدنيين مدى صعوبة إحراز تقدم في الجانب الإنساني، حتى أكبر وأقوى منظمة في هذا المجال، اللجنة الدولية للصليب الأحمر ، فشلت في جهودها لتسهيل المرور الآمن للمدنيين من مدينة ماريوبول المحاصرة.

ختاماً، تبرز مصالح الطرفين المتحاربين في ضرورة إنجاح المفاوضات، فاللحظة التاريخية حرجة لكلا الطرفين وليس لطرف واحد، ويحدث ذلك غالبًا عندما لا يعود بإمكان أطراف النزاع تحمل الأعباء الكارثية للعدائيات العسكرية، ناهيك عن تصعيدها، وهنا فأي انتصار عسكري روسي في الميدان، لا يمكن عزله عن الانهيار الاقتصادي الحاصل في روسيا، والأخير يعد عاملاً مرجحا لحد نسبي في فتح ولو كُوة ضيقة في المشهد التفاوضي.

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

حين يكتب رجال الأمن سطور السيادة بالدم

الدكتور أحمد الطهاروة – الأول نيوز – في كل مرة يواجه فيها الأردن خطرًا داخليًا …