الخوري أنطوان الدويهيّ –
الأول نيوز – وصلني من رئيس تحرير هذه المجلَّة الرقميَّة “الأوَّل نيوز” تعليقًا من “كاتبة” تطرح فيه بعض الأسئلة حول آخر مقال لي دوَّنته في هذه المجلَّة الغرَّاء. ما لفتني للغاية هو اهتمام الكاتبة بتتمَّة الخبر الذي رويته. وشعرت بفرح كبير لأنَّني وجدتُ أشخاصًا عرب ما زالوا يهتمُّون بالقراءة والمطالعة، وليس فقط بالقراءة بل أيضًا بمعرفة بعض التفاصيل المهمَّة التي تسقط، إمَّا سهوًا وإمَّا عمدًا، من بعض الأخبار التي تدوِّنها أقلام الكتَّاب. وطالما هناك أشخاص ما زالوا ينتقدون مقالة، إمَّا بطريقة سلبيَّة أو بطريقة إيجابيَّة، فهذا دليل عافية، بل هو دليل نموّ ثقافيّ مستمرّ.
أقرأ الكثير من المقالات التي تدوَّن هنا أو هناك، وأرسلتُ بعض المرَّات انتقادًا، إن في المعنى أو في المبنى، وخلتُ نفسي قاسيًا أو متعجرفًا بل أحيانًا أتدخَّل بما لا يعنيني. ولكن، أن يصلني من شخص مجهول عنّي، لا أعرفه ولا يعرفني، ملاحظة أو ملاحظات، فأنا أعتبرها دليلاً أنَّ المجتمع العربيّ المثقَّف ما زال بخير.
لطالما نُعت العربُ أنَّهم شعب جاهل، لا يقرأ؛ شعب يفتقر إلى الثقافة العامَّة والعلوم المتطوِّرة. ولكن إذا عدنا إلى مئة سنة خلت وحتَّى اليوم، نرى العرب حملوا مشعل الكلمة العربيَّة إلى عالم الغرب ولم يتوانوا عن كتابة أجمل الكتب والمقالات. يكفي أن نذكر مثالاً للكتَّاب العرب الأديب جبران خليل جبران الذي دوَّن كتاب “النبيّ” بالإنكليزيَّة ولكنَّ ترجماته تعدَّت الخمسين لغة إذا لم نقل أكثر. وحتَّى يومنا هذا، ما زالت معارض الكتب العربيَّة تجري في أكثر من دولة عربيَّة نذكر على مثال المثال لا الحصر معرض الشارقة الدوليّ للكتاب في الإمارات العربيَّة المتَّحدة، أو معرض بيروت الدوليّ في لبنان وسواهما…
كلُّ ملاحظة أو نقد يقدِّمه قارئ عربيّ هو بمثابة “نيشان” يعلَّق على صدر الثقافة العربيَّة. فإن كنَّا نرى أنَّ الجرائد والمجلاَّت الورقيَّة في عصرنا، تختفي شيئًا فشيئًا، فلا يعني أنَّ الاهتمام بالثقافة أضحى هزيلاً، بل أرى أنَّ هناك نقلة نوعيَّة إلى المجلاَّت والجرائد الرقميَّة. ومن ناحية ثانية، أضحت المعلومات الثقافيَّة منتشرة بشكل كثيف في مواقع كثيرة على الأنترنيت، ويستطيع كلُّ شخص أن يصل إلى المعلومات التي يريدها بكبسة زر.
ما يهمُّني من هذه المقالة، هو أن أنوِّه، لا على ثبات الثقافة العربيَّة، بل على أنَّ هناك شريحة كبيرة من العرب ما زالوا يهتمُّون بالمطالعة وينتقدون أو يقدِّمون ملحوظات بنَّاءة على مقالات تحتاج إلى توضيحات معيَّنة أو تحمل تأويلات متعدِّدة. والكاتب الحاذق هو مَن يعرف أن يترك تفاصيل مهمَّة دون أن يذكرها.
هنيئًا لنا، نحن العرب، بكتَّاب وأدباء وشعراء وقرَّاء وناقدين ما زالوا ينتجون أفكارًا تجعل المجتمع عامَّة، والمجتمع العربيّ خاصَّة، يتقدَّم خطوة في درب الثقافة.
فالشكر، كلُّ الشكر، لكلِّ كاتب وأديب وشاعر، ما زال يقدِّم من “عنديَّاته” أفكارًا بنَّاءة، ولكلِّ ناقد ينتقد بطريقة موضوعيَّة ويتوقَّف عند بعض المقالات ليثني أو ليبدي ملاحظاته عليها بطريقة حضاريَّة…