جريمة الإبادة الجماعية جريمة الجرائم الدولية

الدكتور أيمن سلامة –

 

الأول نيوز – شهدت البشرية – ولاتزال- العديد من الجرائم الدولية التى يرتكبها البشر سواء أكان ذلك فى أثناء السلم أم فى أثناء النزاعات المسلحة، وتأتى جريمة الإبادة الجماعية على قمة هذه الجرائم من حيث الخطورة والنتائج الوخيمة والآثار الكارثية التي تُفضى إليها تلك الجريمة النكراء، حيث لا تقتصر هذه النتائج على اجتثاث أرواح البشر فقط، وإنما أيضاً تسبب جراحاً غائرة، وآلاماً مبرحة لأسر ضحايا الجريمة، ولم تكن الجريمة مثار اهتمام واستنكار القانون الدولي فحسب، ولكن سائر الأديان السماوية.

لقد تعرض الانسان خلال الحقب والعصور المختلفة الى ويلات القتل و التدمير والاغتصاب واتلاف الممتلكات، وكان المنتصر يفتخر أنه أوقع بعدوه الفناء والدمار والاذلال ، فكانت الحرب فخرا وقوة وسطوة، يتلذذ بها الطغاة العتاة من الحكام، ويتغنى بها كهنتهم من الشعراء والبلغاء، ونصبت لها الأفراح وأنشدت لها الأناشيد والأهازيج .

لقد صدمت جريمة الابادة الجماعية، البشرية فى ضميرها، والنظام العام العالمى فى جوهره، والكرامة الانسانية فى صميمها، نتيجة لهول الجريمة الشنعاء، وفداحة أفعالها النكراء، والتى دونت بمداد أسود فى حافظة التاريخ، ويكفى الجريمة من تدليل ودلالة على أنها اى الجريمة تعكس انكار حق الوجود بالنسبة لجماعات انسانية بأسرها “

تعنى الإبادة الجماعية وفقاً للمادة الثانية من اتفاقية الأمم المتحدة الصادرة فى 9 ديسمبر عام 1948 لمنع جريمة الإبادة الجماعية والعقاب عليها “ أياً من الأفعال الآتية المرتكبة على قصد التدمير الكلى أو الجزئى لجماعة قومية أو عنصرية أو عرقية أو دينية “ بصفتها هذه:

(أ) قتل أعضاء من الجماعة.

(ب) إلحاق أذى جسدى أو روحى خطير بأعضاء من الجماعة.

(ج) إخضاع الجماعة عمداً لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادى كلياً أو جزئياً.

(د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب أطفال داخل الجماعة.

(ه) نقل أطفال من الجماعة عنوة إلى جماعة أخرى.

يبين مما سبق، أن تحديد الجماعات المحمية و هى ذاتها المستهدفة بالإبادة الجماعية ، وفقا للاتفاقية ، هو تحديد حصرى ، و كان نتاج ذلك التحديد الحصرى – وفقا للكثيرين من المنتقدين للاتفاقية – الاجحاف بحقوق جماعات أخرى لم تتكفل الاتفاقية بحمايتها مثل الجماعات السياسية ، والاقتصادية ، و الثقافية ، بيد أن جل الانتقادات التى وجهت فى هذا الصدد تركزت على الاغفال المتعمد لتضمين الجماعة السياسية ضمن الجماعات المحمية الأربعة الواردة فى الاتفاقية.

لا مرية أن الأسباب التي تزيد من خطورة جريمة الابادة الجماعية، وتجعلها – بحق – جريمة الجرائم الدولية، أن السلوك الإجرامي في جريمة الابادة الجماعية لا ينتهك قاعدة قانونية وحسب، لكن العديد من القواعد والحقوق القانونية، يأتي على قمتها الحق في الحياة أسمى الحقوق الاساسية للإنسان.

وجريمة الإبادة الجماعية شديدة الخطورة من حيث أن الجريمة لا تهدد بالإبادة فرداً واحداً أو مجموعة أفراد، بل تهدد بالإبادة جماعة أو جماعات كاملة لأسباب دينية أو قومية أو عرقية أو عنصرية… الخ.

لكى تتحقق جريمة الإبادة الجماعية، ينبغى أولاً أن يرتكب فعل من الأفعال التى تم تعدادها فى المادة الثانية من نظام المحكمة “المأخوذة حرفياً من المادتين 2 و3 من اتفاقية الإبادة الجماعية”، وثانياً أن يرتكب هذا الفعل ضد جماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، مستهدفة بصفتها هذه، وثالثاً أن يرتكب الفعل بقصد تدمير الجماعة المستهدفة كلياً أو جزئياً.

 

ويشترط لتحقق جريمة الإبادة الجماعية إضافة لركنها المادي، النية الإجرامية فيشترط أن يكون لدى الفاعل نية إجرامية تنصرف إلى تحقيق الإبادة لأنها جريمة، وإن كانت تتفق فى طبيعتها مع الجرائم العمدية كافة، بيد أنه يشترط فيها إلى جانب القصد العام، القصد الخاص، وهو تحقيق الإفناء للجماعة المستهدفة، وبالتالى يمكننا القول إن القصد الخاص لمرتكب جريمة الإبادة الجماعية، يهدف لتحقيق غاية معينة، وهى هنا الهدف البعيد للإرادة، والمتمثل فى افناء الجماعة المستهدفة.

وفيما يتعلق بإثبات القصد الجنائى الخاص لجريمة الإبادة الجماعية، يشير بعض الفقهاء إلى أنه يمكن استجلاء ذلك القصد بالنظر إلى دمار الجماعة، وأعمال الإبادة الثقافية والإبعاد القسري، ورغم أن تلك الأعمال الأخيرة لا تعد أعمالاً إبادية، إلا أنها يمكن أن تدل بشكل كبير على ثبوت نية الإبادة.

يعترف القانون الدولى المعاصر بمبدأ مسئولية الفرد الجنائية عن ارتكاب الجرائم الدولية، ويعتبرها من ضمن مبادئه العامة ويستوى فى ذلك الجرائم التى يرتكبها الفرد بصفته الشخصية أو تلك التى يرتكبها بصفته مسئولاً رسمياً فى هذه الدولة.

لا جرم أن كشف ومعرفة الحقيقة مسألة قانونية أولية مهمة، ليس فى حد ذاتها بل توطئة لتحقيق غايات سامية متعددةالجوانب، حيث تختلف هذه الغايات سواء كانت غايات نبيلة – مثل المساهمة فى استعادة السلام وصيانته- وغايات أخرى – مثل محاربة الإفلات من العقاب، وردع انتهاكات حقوق الإنسان فى المستقبل أو الحيلولة دون حدوثها، وتلبية مطالب الضحايا والدفاع عن حقوقهم، وإبعاد اللاعبين السياسيين السابقين عن الساحة السياسية، وإعادة تأسيس سيادة وحكم القانون.

إن معرفة الحقيقة عن الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان، تمنح المجتمعات القدرة على منع تكرار أحداث مماثلة للتي وقعت، وتسهل فى حالات أخرى عمليات المصالحة وإعادة البناء حيث ينظر إلى معرفة الحقيقة على أنها ضرورة جوهرية لمعالجة التصدعات والانقسامات التي تحدث في السياقات المحلية في الفترة التى تلى إقصاء النظم الشمولية والاستبدادية.

 

عن Alaa

شاهد أيضاً

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي …