لا بدَّ من الغضب!

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – منذ صغري وأنا أحاول ألاّ أغضب ولكنَّ ذلك الأمر مستحيل. وإن نظرتُ حولي أرى أنَّ معظم الناس هم سريعو الغضب. البعض متسرِّع يثور لأتفه الأسباب بينما آخرون يظهر غضبهم بعد احتقان وضبط نفس. وفي كلا الحالتين، يندم الإنسان الوقور على غضبه وما نتج عنه. تُرى، كيف يتصرَّف أب عندما تصدم سيَّارة ابنَه وهو يرى المشهد أمام عينيه؟ أو ماذا تكون ردَّة فعلنا عندما نستيقظ ليلاً ونرى لصًّا يحاول سرقة منزلنا؟ أو ماذا يفعل رجل إذا رأى امرأته في أحضان رجل آخر؟ وصولاً إلى أتفه الأمور مثل تسبُّب شخص بوقوع أغراض يحملها شخص آخر.

الغضب هو واحدة من تلك الآفات السيئة الموجودة في قلب كلِّ إنسان. فبقدر ما يروِّض الإنسان نفسه على كبح جموح غضبه يصبح قادرًا على ضبط النفس والسيطرة على ذاته إلى أبعد تقدير. ولكن، عندما يتخطَّى الأمر إرادة الإنسان عندئذٍ يثور ويغضب وقد يرتكب بعض “الحماقات”، ولا يلبث أن يعود إلى طبيعته بعدما يكتشف أنَّه خرج عن السيطرة على الذات.

والإنسان المهذَّب، ليس ذاك الذي لا يعرف الغضب ولا يقع فيه، بل ذلك الذي يحافظ على هدوئه حتَّى “يطفح الكيل” ويفقد السيطرة على أعصابه، كالإبريق الذي يُملأ بالماء، وعند امتلائه يفيض الماء خارجًا. والإنسان المهذَّب هو ذاك الذي يعرف أن يتراجع عن ثورة غضبه في الوقت المناسب وقبل أن يسبِّب غضبه بأمور سيِّئة.

تعرفتُ إلى شخص الكلُّ يقول عنه إنَّهم لم يروه يغضب يومًا. وفي أثناء الحديث، سألته: “هل حقًّا ما يُقال فيك إنَّك لم تغضب يومًا؟” نظر إليَّ نظرة طويلة، واستطرد قائلاً: “يا ليتني حقًّا أملك هذه الصفة! أمضيتُ حياتي أروِّض نفسي على ضبط النفس، إلى أن جاء يوم، فقدتُ فيه ابني من بين يديّ. كنتُ ممسكًا به ونحن نسير على الطريق العامّ، وإذ رأى قطَّة تقطع الطريق وبلمح البصر أفلت يده منّي وأسرع نحو القطَّة، وفجأة رأيتُ سيَّارة مسرعة تحاول أن تكبح فراملها لئلاَّ تصدم الصبيَّ، ولكنَّ سرعتها كانت كافية لتصدمه وترمي به بضعة أمتار. اسودَّت الدنيا أمام ناظريَّ وأسرعتُ إلى السيَّارة ورحتُ أضرب مقدّمتها قبل أن أهرع إلى ابني أحمله بين ذراعيَّ جثَّة هامدة…” ومنذ ذلك اليوم، والرجل يتناول مهدّئات للأعصاب…

هذه الحادثة وأمثالها في عصرنا وقد أضحت كثيرة، تُخرج الإنسان من تعقُّله واتّزانه، وقد يرتكب أمورًا فظيعة يقضي حياته في التندُّم عليها.

ما دفعني إلى كتابة هذا المقال جملة وصلتني عبر إحدى وسائل التواصل الاجتماعيّ، أنقلها إلى القارئ العزيز كما هي: “لن يخرج من البرتقالة سوى عصيرها مهما ضغطت عليها وكذلك الإنسان لن يخرج منه عند الأزمات إلاَّ ما تربَّى عليه.” ولكن لم يدرك كاتب هذه الجملة أنَّ البرتقالة، هي أيضًا، عند الاستمرار في عصرها، تخرج عصيرًا مرًّا…

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

*معركة الكرامة في سردية الأردنيين*

الاول نيوز – بقلم مـدير الإعلام العسكري العميد الركن مصطفى الحياري أخذت معركة الكرامة مساحة …