لا أصدقاء لي

 

الخوري أنطوان الدويهيّ –

 

الأول نيوز – كنتُ أُجري حديثًا مع أحد الفنَّانين المشهورين، ومن ضمن الأسئلة التي طرحتها عليه سألته عن طفولته وعن عدد الرفاق الذين كانوا بمثابة أصدقاء له، فأجابني: “عشتُ حياة عاديَّة، ولم يكن لديَّ أصدقاء، ولا حتَّى صديق واحد. كنتُ أنزوي في أوقات الفرص في زاوية من زوايا الملعب أراقب التلاميذ، وأنا أسرح في عالم آخر. وإذا اقترب منِّي الناظر طالبًا منّي أن ألعب مع رفاقي كنت أقوم للعب طاعة للناظر، إلى أن سمحت لي الإدارة أن أبقى خلال الفُرص في مشغل الرسم حتَّى تفوَّقتُ على بقيَّة التلاميذ ونلتُ الجائزة الأولى في الرسم وهذا ما دفعني لأتخصَّص في هذا المجال وأُصبح – كما تراني –فنَّانًا مشهورًا. عندئذٍ، صار لديَّ أصحاب كثيرون. في مشغل الرسم، تعرَّفتُ إلى تلميذ يصغرني بسنتين، بدا هو الآخر منزويًا عن رفاقه ويفضِّل البقاء وحيدًا على الاختلاط بهم. ومع مرور الوقت، أصبحنا صديقين. وإن فزت بالجائزة الأولى، فاز هو أيضًا بالجائزة الثانية مع فارق بنقطة واحدة. وما زلنا حتَّى اليوم نُقيم معارض فنّيَّة سويَّة. ليس المهمّ أن يكون لك أصدقاء كثيرون، بل يكفي أن يكون لك صديق واحد تتقاسم معه دروب الحياة بصعوباتها وأفراحها”.

“لا أصدقاء لي”. نادرًا ما أسمع هذه الجملة، ولكنَّ الواقع يؤكِّد أنَّ هناك كثيرين لا أصدقاء لهم فعلاً، ولاسيَّما النوابغ منهم. فالنابغة يملك حسًّا مرهفًا، ولكنَّ تفكيره يبدو مختلفًا بعض الشيء عن تفكير الناس العاديِّين، لذا، نرى معظم هؤلاء منزوين، وحيدين. لكنَّ هذه القاعدة لا تنطبق عليهم جميعًا…

إن كان الصديق وقت الضيق، وهو موجود فعلاً وقت الشدَّة والمآسي، وقت الحزن والمصاعب، كما في وقت الفرح والفرج، في وقت النصر والظفر، فالكثير من المبدعين يفضِّلون البقاء دون صديق، لأنَّ الصداقة تتوجَّب التزامات تجاه الصديق. ومَن أراد أن يُبدع يفضِّل أحيانًا كثيرة التحرُّر من كلِّ قيد يأسره.

مَن وجد صديقًا يرافقه طول العمر، وجد كنزًا لا يُقاس بالمال ولا بالجواهر، بل يُقاس بالصفات والخصال الحميدة، يُقاس بمقدار التضحية بالوقت والذات والمال. وإن عدَّ بعض الناس الكتابَ أو التلفزيون أو الحاسوب صديقًا مخلصًا، لكنَّ هذا الصديق يفتقر إلى النصيحة الآنيَّة، والوقوف إلى جانب صديقه وقت الشدَّة…

الاتِّكال على الذات هي إحدى الصفات البالغة الأهمّيَّة، ولكن لا استقرار لإنسان في مجتمع يحيط به، دون وجود صديق إلى جانبه يؤازر أحدهما الآخر في كلِّ مراحل الحياة.

من لا صديق له، لا يعرف كيف يواجه الصعوبات وحده، وأحيانًا تكون فوق طاقته. ومَن يفقد صديقًا يفقد قطعة من قلبه، تسنده ليتابع حياته بكلِّ راحة واطمئنان.

من له صديق فليحافظ عليه، فالحياة تبقى بدون معنى لولا وجود الصديق. والصديق الأسمى هو ذاك الذي بذل نفسه في سبيل أصدقائه لتكون لهم الحياة وتكون وافرة.

 

عن الأول نيوز

شاهد أيضاً

المرأة في مواجهة اقتصاد الذكاء الاصطناعي: فجوة رقمية أم فرصة للتمكين الاقتصادي؟

الاول نيوز – د.مارسيل جوينات في ظل التحولات المتسارعة التي يشهدها العالم بفعل الذكاء الاصطناعي …